وبين المعنى الذي هو تفسير للفظ وبين المعنى الذي هو من مقتضياته بون كبير بيناه من قبل، وسترى أمثاله.
وإنما قلنا ذلك لأن بناء القدوس والسبوح، بناء اسم فاعل يتعدى من فعل يتعدى، وقولنا (طاهر) بناء فاعل لا يتعدى من فعل لا يتعدى، فلا يصح أن يكون أحدهما تفسيرًا للآخر، ولا يصح أيضًا أن يكون تأويله المطهَّر بنصب الهاء وتشديدها بناء المفعول، ولا يصح لذلك أيضًا أن يكون تأويله المبارك، لأن البركة غرض مغاير للقدس، ولا يصح تفسيره بها.
وإنما يجب أن يكون تأويله لغة: المطهِّر المنزِّه بكسر الهاء والزاي من الاسمين والعين من بنائهما بناء أسماء الفاعلين، وإن كان كل فاعل يتعدى يقتضي مفعولًا، وكل مفعول يقتضي فاعلًا، ولكن الفاعل هاهنا أحق وأسبق، لأنه كان تعالى في الأزل قدوسًا سبوحًا، ولم يكن هنالك مقدس ولا مسبح إلا هو، أخبر تعالى بقوله عن اسمه ووصفه، وإذا تبين هذا لم يكن له معنى إلا أنه المقدس لنفسه بإخباره عنها بالتوحيد والإجلال والإكرام، واستحالة النقائص عليه، وعجز الأوهام عنه، فرجع الكلام إلى إخباره عن نفسه أو خلقه للأدلة الدالة على تقديسه وتطهيره وتوحيده، أو إلى تقديسه لخلقه وتطهيره لهم على مقادير مخصوصة وفي معان معينة، فيعود حينئذ إلى الخالق، ويرجع إلى صفات الأفعال، ويطيح غير ذلك من التأويلات.