الْخَالِقِينَ"فإنّ الوجه فيه أنّ الله لمّا ذكر غيره مع نفسه أعطاه اسمه، كما يقال: العُمران والقَمَران والأسودان، وأحدهما عمر وقمر وأسود، والآخر ليس كذلك، فقوله:"أَحْسَنَ الْخَالِقِينَ"مثله، أحدهم خالق وباقيهم ليس بخالق، والدليل عليه قوله تعالى:"هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ"، وقد قال تعالى في آية أخرى:"أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ" (الطور 35) ، فعظّم وصفهم لأنفسهم بأنهم خالقون، وأنكر دعواهم لذلك، ولو كان حقيقة لما جاز نفيه عنه، لأنّ الحقائق لا يجوز نفيُها عن مُسمّياتها، وكذلك تسميتُهم للكاذب خالقًا إنما هو اتّساعٌ، لأن الكاذب لمّا كان مُخبرًا عن شيء لا أصل له كما ادّعاه في خبره سُمّي خالقا."
والباري تعالى هو الخالق بالحقيقة وحده، لأنّه يُخرج الأشياء من العدم إلى الوجود، وقد ضلّت القدريّة عن هذا الاعتقاد، حتى زعمت أن العبد خالقٌ بالحقيقة، مُخترِعٌ لأعيان الأفعال، مُخرجٌ لها من العدم إلى الوجود، فيا عجبًا لهم كيف ذهلوا عن الحقائق العقلية، وأعرضوا عن الأدلّة الشرعية، حتى عن قوله:"أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ"