عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ" (الرعد 16) ، فكم في هذه الآية من حُجّة، لو شُرعت لهم فيها مَحَجّةٌ."
وأمّا الخلق بمعنى التقدير، فقد قال بعض علمائنا: إنه لو كان الخلق بمعنى التقدير لكان كلّ مقدِّر خالقًا، وكل خالقٍ مقدّرًا، والأمر بعكس ذلك، لأنّ العرب تقول: قدّرتُ في نفسي شِعرًا، ولا تقول: خلقت في نفسي شِعرًا، أو تقول: قدّرت الساحةَ والثّوبَ والبناء، ولا تقول في ذلك خلقتُ، فلو كان معنى الخلق معنى التقدير لتصرّف معه في جميع مواضعه، فعُلم أنه قد يكون غير الله مقدّرًا ولا يكون خالقًا.
قال الإمام الحافظ رضي الله عنه: هذا كلامٌ صحيحٌ في الردّ على القدرية الذين يزعمون أن غير الله خالق، ولكن لا نمنعُ من كون الخلق بمعنى التقدير كما ورد في اللغة، ويكون الخالق بمعنى المُقدِّر على علمٍ وتدبيرٍ، وإذا كان قدّر بغير علم كان خارقًا، كقوله تعالى:"وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ" (الأنعام 100) ، والله تعالى خالقٌ مقدِّرٌ، وغيره مقدِّرٌ غير خالقٍ، وكلّ خالق مقدّر، وليس كل مقدّر خالقًا، كالحمد والشكر وشِبههما.
وأمّا الخلق بمعنى التصوير فقد وقعت الإشارة إليه بقوله:"يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ"