أحد، وإذا اتهمنا العقول فعلى أي شيء يكون التعويل؟ وهَبْك أنّا اتهمنا العقول فيما تكثر فيه مقدّمات النظر والدليل، فما يُعلم في الأوائل ويُتحقّق قطعًا من الدلائل كيف تُتّهم فيه العقول؟ وليس اتهام العقل فيما ذكرتَ أولى من اتهامه فيما ذكرنا، مما ثبت علمه وصح النظر فيه.
وأما قوله: إن هذا سر القدر الذي لا يُفشى، والمُخاطَب به عارفٌ، فكل عالم يعلم سرّ القدر، وهو أن الله لا يُسأل عمّا يفعل، وإن زعمت أن له سرّا قيل لك: أتريد أن تردّ ما ظهر من الأدلة بما بطن من الدعاوي، هذا ما لا يرضاه حصيف.
فإن قيل: فقد قال بعض الناس: إن أهل النار تحت رحمة الله ونعمته، فإنه كان في الممكن أن يكون العذاب أكثر مما عم فيه، فجَعْله على ذلك المقدار نوع من الرحمة، فنقول: هذا مما لم يقصده القائل المتقدِّم القول بقوله، فإنه ليس من الأسرار التي تُخفى ولا تُفشى، وإنما يدخل هذا في باب نعم الله التي لا تُحصى، وهذا القدر الذي حصل فيه أهل النار به هلكتهم، فما فوقه أمر لا يعود إلى رفقٍ بهم، فإنّ الجاني عندنا إذا ضُرب بالسياط حتى مات كان يمكن أن يُقطّع لحمه ويعذّب حتى يموت، ولا يقال إن ضربه