معلوم أن العلم لا يكفي وجوده للخلق، لأنه يتعلق بالموجود والمعدوم، فإن تعلق العلم بالمعلوم مطلقًا فهو علم، وتتعلق الإرادة بحال من أحواله المعلومة فهو القدَر، فإذا تعلق به من الكلام قوله: كن، والقائل بصفة من تتأتى منه الكينونة كان على كل حال، وعلى هذا يُحمل قوله: {فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ} [الأنبياء: 87] ، أي لن نعلم فيه نفوذ ذلك بالقدرة على الوجه الذي ينفذ معه كل مقدور ويوجد كل موجود.
المسألة الرابعة: في فصل بديع
اعلموا - علمكم الله - أنا إذا سمينا الباري باسم أو وصفناه بصفة ثم بنينا له منه بناءً مبالغةً في اللغة كقدير وأقدر في قادر، أو عليم وأعلم في عالم، فإن المبالغة في حقه ليست على جهة المبالغة في حقنا، لأن المبالغة في حقنا إنما ترجع إلى كثرة العلوم والقُدَرِ، والمبالغة في حقه ترجع إلى وجهين:
أحدهما: كثرة المقدورات والمعلومات، وكذلك في كل صفة كالسمع والبصر ونحوهما، قاله علماؤنا - رحمة الله عليهم -، وشرحه عندهم أن علم الباري تعالى علِمنا كونَه واحدًا شرعًا، وقد كان من الجائز أن يكون له بعدد كل معلوم علم، لكن الأمة أجمعت على اتحاده.