وأما الموجد فهو عبارة عن مُخرج الشيء من العدم إلى الوجود حقيقة، ويعبَّر به عن المكتسب مجازا، ووصف المنشئ مثله، وكذلك المكوّن والمخترع، إلّا أني أتوقف في المكوِّن على قول علمائنا، ولا أرى فيه إلّا الانفراد لله وحده، لقوله تعالى:"إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ" (النحل 40) ، فما جاء في معرض التعظيم والمدح لله سبحانه لم يجُز أن يخبر به عنه.
وأما المُبدع والمبتدع والبديع فهو الذي أنشأ على غير مثال، وأنا من قول المبتدع على نظر، وقد يأتي بديع بمعنى مبدع.
وتحقيقه أن العرب تقول: بدع الشيء يبدعه إذا ابتدأه، فهو بديع، فعيلٌ بمعنى مفعول، والبِدْع المبتدأ الأول، ومنه قوله تعالى:"قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ" (الأحقاف 9) ، ويقال: شيء بديع أي معجِب، كأنه مفتَتَح لم يوجَد مثله في طريق الحُسن، ويقال أيضا: أبدع فهو بديع أي مبدع، فعيل بمعنى مُفعل، ويقال: ابتدع أتى ببدعة، ويستعمل في المحمود والمذموم، لكن جاء قوله:"بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ" (البقرة 117) مضافًا إليها، فوجب أن يكون بمعنى مُبدعها ومفتتح وجودها على غير مثالها، ولم يأت في وصفها بديع مطلقا، فيكون معناه معنى شيء بديع، واستنكفنا في وصفه بمبتدع لاشتراكه في الخير والشر، مع أنه لم يرد به أمر، والله أعلم.