وأما إكرامه للعبد فهو ما يخصه به من كرامته، وهو أخص من الإنعام، لأنه يُنعم على من لا يكرم، ولا يكرم إلا من عليه ينعم، قال تعالى: {فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ. وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ. كَلَّا} [الفجر: 15 - 17] .
يعني أنه إذا منحه نعيماً في الدنيا يقول: ذلك دليل على كرامتي، وإذا قدر عليه رزقه يقول: ذلك دليل على هواني.
وليس الأمر كذلك؛ فليس نعيم الدنيا دليلاً على نعيم الآخرة، ولا هوان الدنيا دليلاً على هوان الآخرة، وإكرامه للعبد يكون معجَّلاً في الدنيا ومؤجَّلاً في الآخرة، ويكون عموماً في الخليقة، وخصوصاً لأهل الحقيقة، قال تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ} [الإسراء: 70] ، فلأهل العموم في ذلك أقوال، ولأهل الخصوص فيه أقوال.
فأما أقوال أهل العموم فلهم فيه ستة أقوال:
الأول: خصصناهم بالعقل والتمييز.
الثاني: فضلناهم بالتسليط على سائر الخلق؛ يسخِّرونهم كالفُلك والدواب، بدليل قوله: {وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} [الإسراء: 70] .
الثالث: بالمشي قائماً غير منكب، وسائر الحيوان منكب.
الرابع: يحاولون معاشهم بأيديهم، ويرفعونه إلى أفواههم، وغيرهم يحاوله بفمه، ولا يصرف فيه يدَه.