المسألة الخامسة: في المختار من أقوال العلماء في معناه الحقيقي
اعلموا -وفقكم الله- أن ذلك يستدعي مقدمة في معنى الرحمة، وقد اختلف الناي فيها، فصار صائرون إلى أنها النعمة والإحسان، قالوا: والدليل عليه أمران:
أحدهما: قوله صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى:"إن رحمتي سبقت غضبي"، ولا يكون التسابق إلا في الأفعال، وقوله صلى الله عليه وسلم:"إن الله خلق مائة رحمة"، وصفات الذات ليست بمخلوقة.
الثاني: قالوا: إن الرحمة منا رِقّة وشفقة تقتضيها هَوادةٌ وميْلٌ، وذلك لا يجوز على الله تعالى، فدلّ أنها من صفات الأفعال.
والرحمة عند أهل السنة هي إرادة الإنعام، صفة من صفات الذات، لم تزل ولا تزال، كقولنا في علمه وقدرته، وقد دللنا على ذلك في كتب الأصول، وكيف يصحّ أن تكون الرحمة الإنعام وقد يُنعم من لا يرحم إذا أُكره على الإنعام، ولا يكون الراحم راحمًا إلا إذا كان إنعامه على المُنعَم عليه بقصد إلى ذلك وإرادة له، فلذلك قلنا هو إرادة الإنعام.
بلى، إن النعمة قد تسمّى رحمة؛ فإنها عن الرحمة صدرت، كما تُسمّى الأفعال قدرة وعلما لصدورها عن العلم والقدرة، ولذلك سُمّيت الجنة رحمة