اتق شَرَّ من أحسنت إليه
وَرَدَ إلينا عن هذه الجملة: هل هي حديث نبوي كما اشتهر عند العامة أو ليست بحديث؟
(الجواب) : إنها ليست حديثًا عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كما ذكره الحافظ السخاوي، والأشبه أنها حِكمة لبعض السلف ذات معنًى صحيح، وهو أن من النفوس البشرية نفوسًا فُطِرَت على لؤم الطبع، وجحود المعروف، ونكران الجميل، ومقابلة الإحسان بالإساءة، كما يشير إليه قوله تعالى: (وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ) فقابلوا إنعام الله عليهم بسعة الرزق ورَغَد العيش ونِعْمة الغنَى بالجحود والكفر بَدَل الحمد والشكر.
فإذا امتُحِنَ المُحسن بطائفة من هؤلاء، وجب أن يَتَّخِذ الحِيطَة لشرهم ويتقي وسائل كيدهم، والاحتراسُ من الناس من الكياسة والفِطْنة على أن ذلك لا يمنعه من موالاة الإحسان ولا يصده عن متابعة صنع الجميل، فلعله علاج وإصلاح، وفيه خير كثير، وناهيك بما كان من أبي بكر الصديق ـ رضي الله عليه ـ مع ابن خالته مِسطَحٍ، فقد كان مِسطَحٌ مهاجرًا مُعدِمًا وكان أبو بكر ينفق عليه من ماله بِرًّا وإحسانًا، فلَمَّا افتَرَى المنافقون حديث الإفك، وخاض مِسطَح مع الخائضين، أقسم أبو بكر ليمنَعَنَّ عنه النفقة، فنزل قوله تعالى: (وَلَا يَأْتَلِ أُولُوا الفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي القُرْبَى وَالمَسَاكِينَ وَالمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) فقال أبو بكر: أنا أحب أن يَغْفِر الله لي. ووصله بالنفقة كما كان، بل ضاعفها طمعًا في الرحمة والغفران، وما أجمل العفو عن المسيء والصفح عن المذنب والإحسان إليهما ثقة بوعد الله تعالى والله لا يخلف الميعاد.
نسأل الله التوفيق. والله أعلم.