الجَمْع بين حديثين
بَيَّنَّا في الفتوى السابقة ما يتعلق بحديث (حياتي خير لكم ومماتي خير لكم) من جهة الرواية، وما يُفِيدُه من عَرْض أعمال المؤمنين على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ غدوةً وعشيًّا في حياته البرزخية الخاصة. وقد انْسَاقَ إلى الأذهان أنه معارَض بحديث ابن عباس ـ رضي الله عنهما ـ أخرجه البخاري في التفسير والرقاق وأحاديث الأنبياء، وأخرجه مسلم في بَابَيْ الطهارة وصفة القيامة، وأخرجه النسائي في الجنائز، وطلب منا كاتب فاضل بيان مَحْمِل الحديثين.
(والجواب) : أن حديث ابن عباس رواه البخاري في بعض أبوابه بلفظ: قام فينا النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يخطب فقال:"إنكم تُحشَرون حُفاةً عُراةً غُرْلًا"ثم قرأ (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ) "وإن أول الخلائق يُكْسَى يوم القيامة إبراهيم الخليل، وإنه سيُجاءُ برجال من أمتي فيُؤخَذُ بهم ذات الشمال، فأقول: يارب أصحابي. فيقول الله: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك. فأقول كما قال العبد الصالح": (وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ. إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ) "فيقال: إنهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم".
فهؤلاء الرجال قد وصفهم الرسول بأنهم من أمته وأصحابه، وأخبره الله تعالى أنهم أحدثوا بعده رِدَّة، ولم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقهم، وأنه مَقضِيٌّ في أمرهم بعذاب النار.