هدي النبوة في خُطْبَة الجمعة
(السؤال) من (المنصورة) : نَرْجُو بَيَان هَدْي الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في خطبة الجمعة وما تَوَارَثه المسلمون فيها بعده، ومذاهب الأئمة فيها، وحكم الدعاء للسلطان.
(الجواب) : اعلم أن الكلام في خطبة الجمعة في موضعين:
أحدهما في بيان حكمها من الوجوب أو الندب.
والثاني في بيان كونها خطبتين بينهما جلسة خفيفة أو خطبة واحدة.
فأمَّا حُكْمُها فقد ذَهَب الأئمة الأربعة إلى وُجُوبها وأَنها شرط لصحة الجمعة ولم يخالف في ذلك إلا الحسن البصري وداود الظاهري ومن تَبِعَه، فقد ذهبوا إلى أنها مندوبة فقط، وإليه ذهب ابن حزم، فقال: ليست الخطبة فرضًا، فلو صَلَّاها إمام دون خطبة صلاها ركعتين جهرًا ولابد، وإنما يستحب له أن يخطب خطبتين على أعلى المنبر مقبلًا على الناس بوجهه يَحْمَد الله تعالى ويصلي على رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويُذَكِّر الناس بالآخرة ويأمرهم يما يَلْزَمُهُم في دينهم. انتهى من المُحَلَّى.
ودليل الجمهور على وجوب الخطبة قوله تعالى: (يَأَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللهِ) فإن الخطبة ذكر الله فتدخل في الأمر بالسعي إليه وذلك دليل وجوبها وكونها شرطًا لانعقاد الجمعة. وما رُوي عن عمر وعائشة أنهما قالا: إنما قُصِرَت الصلاة لأجل الخطبة. فأَخْبَرَا أن شطر الصلاة سَقَطَ لأجل الخطبة وشطر الصلاة كان فرضًا فلا يسقط إلا لتحصيل ما هو فرض. ولأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يترك الخطبة للجمعة في حال، وقد قال كما في صحيح البخاري:"صلوا كما رأيتموني أصلي"فصلاة الجمعة مأمور أن تكون على الهيئة التي صَلَّاها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو لم يصلها إلا بالخطبة قَبْلها.
وناقش ابن حزم في المحلى هذه الأدلة وخَلَصَ منها إلى القول بالندب، وإليه ذهب الشوكاني في نَيْلِ الأوطار.