فضل شهر رجب الفرد
من الأيام والشهور الإسلامية مواسم خير وطاعة وَجِدٍّ واجتهاد فيما قَرَّب إلى الله زُلْفَى، وفيما يُبتغَى به من الله من إجزال المثوبة ومضاعفة الأجر، فخَصَّ الله ـ تعالى ـ يوم الجمعة ويوم عرفة وأيام مِنًى وليلة القدر بمزيد فضل على سائر الأيام والليالي، وخَصَّ شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس والأشهر الحرم بمزيد فَضْل على باقي الشهور.
والتفاضل بين الموجودات في الخصائص والمزايا والصفات والآثار من السُّنَن الكونية التي اقتضتها الحكمة الإلهية وتَجَلَّت فيها القدرة الربانية وإبداع الصُّنْع والخَلْق، لا فَرْقَ في ذلك بين الأزمنة والأمكنة والأجناس والأنواع والأشخاص ولن تَجِدَ لسُنَّةِ الله تبديلًا.
وقد كانت الأشهر الحرم الأربعة مُعَظَّمة في شريعة ـ إبراهيم عليه السلام ـ واستمر ذلك باقيًا في عَقِبِه من ذرية إسماعيل الذبيح ـ عليه السلام ـ فكان العرب قبل الإسلام يعظمونها ويحرمون القتال فيها حتى لو لقي الرجل فيها قاتل أبيه لم يَهِجْه ولم يَمَسَّه بِسُوء. ومنها شهر رجب ويسمونه (رَجَب الفَرْد) لانفراده عن بقية الأشهر الحرم المتتابعة: ذي القعدة وذي الحجة والمحرم. ويسمونه (رجب مُضَر) لأنهم كانوا أشد تعظيمًا له من غيرهم، فكأنهم اخْتُصُّوا به. (ورَجَب الأَصَمّ) إذ كانوا لا يَسمَعون فيه قَعْقَعَة السلاح ولا صَريخ النَّفْر والاستغاثة، كما يُسَمُّونه (مَنْصَل الأَسِنَّة) فلا يَدَعُون فيه رمحًا فيه حديدة ولا سَهْمًا فيه حديدة إلا نَزَعُوهَا منه للأمن فيه من القتال وإدراك الثأر.