واستمر بعد ذلك في العَرَب إلى أن ابْتَدَع مبتدعهم النسيءَ فكانوا يَنسَؤُون الشهر الحرام حين تُعْجِلُهم الحاجة إلى الغزو والقتال فيه فيؤخرونه إلى الذي يَلِيه ويحرمونه مكانه فيَنسَؤُون شهر المحرم إلى صفر، وشهر رجب إلى شعبان، وفي ذلك نَزَل قوله تعالى: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ) وقوله تعالى: (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الكُفْرِ يُضَلُّ بِه الذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِؤوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهمْ وَاللهُ لَا يَهْدِي القَوْمَ الكَافِرِينَ) .
وبَقِيَ لهذه الأشهر الحُرُم حُرْمَتُها في الإسلام، فنُهيَ المسلمون عن انتهاكها بارتكاب ما حرَّم الله من المعاصي والآثام حيث قال تعالى: (فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ) . ورُوي عن قتادة أن الظلم في الأشهر الحرم أعظم خطيئة ووزرًا من الظلم فيما سواها. وإن كان وزر الظلم على كل حال عظيمًا، ولكن الله ـ تعالى ـ يعظم من أمره ما يشاء، فعَظِّموا ما عظم الله فإنما تُعَظَّم الأمور بما عظمها الله عند أهل الفهم وأهل العقل.
أما القتال في الأشهر الحرم، فذهب الجمهور إلى إباحته وأن حُرْمَته منسوخة بآية السيف، ويؤيده قوله ـ تعالى ـ في هذه الآية: (وَقَاتِلُوا المُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً) دون تخصيص بشهر دون شهر. وذهب آخرون إلى حُرْمَته. وذهب عطاء بن أبي رباح إلى أن القتال فيه إنما يجوز دفاعًا عن حق لا ابتداءً. وهو تَفْصِيل حسن.