فهرس الكتاب

الصفحة 66 من 797

من وحي القرآن في كظم الغيظ والعفو عن الناس

وكما عُنِيَ القرآن بما سَلَفَ عُنِيَ كثيرًا بتهذيب النفوس وانتزاع كَوَامِن الشر والفتنة منها، فقد استقر في الطبائع الانفعال الشديد عند حصول مكروه أو فوات مرغوب، والغيظ من مقاومة ما تميل إليه النفس وتشتهيه، والغضب مما يسيء ويضر. ثم ظهور ذلك في البطش والإيذاء والعقوبة والانتقام. ومتى بَدَتْ هذه الآثار على الجوارح ظَهَرَ في الوجه الاحمرار والتقطيب، وفي العين الشر والشرر، وفي اللسان البَذَاء والسَّب والشتم، وفي اليد الإيقاع والبطش، وانقلب الإنسان وَحْشًا هَائجًا بعد أن كان إنسانًا هادئًا وادِعًا.

وليس في ذلك خير بل فيه الضرر بالنفس إذ تَجَرَّدَت من إنسانيتها وأَصَابَت بالضرر البالغ غيرها. وفيه الضرر بالمجتمع إذ تَكْتَظ النفوس بالبغضاء، وتَنْطَوي على الشر، وتَنْتَوِي الانتقام، وتَنْقَطع بينها الوشائج، وتَزْدَاد الإِحَن والسَّخَائِم. وأي شيء أَضر على المجتمع من هذه الحالة القلقة المضطربة التي تُحِيل الأَنَاسِيَّ إلى ذئاب ضارية؟

وقد عالج القرآن هذه الظواهر النفسية بأنفع علاج، فأشار إلى كظم الغيظ وحبسه عند امتلاء النفس به فلا يبدو على الجوارح شيء من آثاره وانفعالاته، ولا ينتقم الإنسان ممن غاظه وأضر به، ولا يُنفِذُ وعيده مع القدرة عليه، ويَقْهَر نفسه الجَمُوح على تغليب جانب الصفح والعفو والتجاوز عن الإساءة.

فإذا قدر الإنسان على رياضة نَفْسِيَّة بهذه الفضيلة كان شجاعًا قويًّا. فليس الشجاع الصُّرَعَة، إنما الشجاع من يَملِك نفسه عند الغضب.

وفي حديث أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من كظم غيظه وهو قادر على أن يُنفِذَه، دعاه الله تعالى في الجنة يوم القيامة على رؤوس الخلائق حتى يخيره الله تعالى من أي الحور شاء".

وعن الحسن: إن الله تعالى يقول يوم القيامة: ليقم من كان له على الله تعالى أجر. فلا يقوم إلا إنسان عفا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت