فهرس الكتاب

الصفحة 76 من 797

جواز تتبع الرخص

وينبني على جواز التلفيق في التقليد (بالمعنى المتقدم أولًا) جواز اتباعه رُخَصَ المذاهب في المسائل المختلفة كما ذهب إليه الجمهور، فيعمل بأمرين متضادين في حادثتين لا تَعلُّقَ لواحدة منها بالأخرى، كما إذا توضأ مراعيًا الشرائط على مذهب الشافعي، ثم في وضوء آخر راعى الشرائط على مذهب أبي حنيفة؛ لأن للمُكَلَّف أن يَسلُك الأخف عليه إذا كان له إليه سبيل بأن لم يكن قد عمل بقول مجتهد آخر في ذات المسألة التي يريد التقليد فيها لِمَا عَلِمْتَ من أنه ليس للمُقَلِّد الرجوع بعد العمل بقول أحد المجتهدين في حادثة إلى قول مجتهد آخر فيها.

قال في التحرير وشرحه:"ويَتَخَرَّج منه ـ أي من كَوْنِه لم يَلْتَزم مذهبًا مُعَينًا ـ جواز اتباعه رُخَصَ المذاهب أي أخذه من كل منها ما هو الأهون فيما يَقَع من المسائل"ومثله في مسلم الثبوت في أصول الفقه، أما ما نُقِلَ عن ابن عبد البر من أنَّه لا يجوز للعامي تَتَبُّع الرخص إجماعًا فليس على إطلاقه، إذ قد روي عن الإمام أحمد ابن حنبل في هذا روايتان، وحمل القاضي أبو يَعلَى الرواية التي تقول بفسق متتبع رخص المذاهب على غير مُتَأَوِّل ولا مُقَلِّد، فالقصد التيسير على الناس، فمن توضأ على مذهب أبي حنيفة له أن يصلي على مذهب الشافعي وبالعكس.

فالتلفيق على هذا الوجه جائز لعدم اتحاد المسألة التي لَفَّقَ فيها؛ ولأنه لا يلزم لمقلد استفتاءُ مُفْتٍ مُعَيَّن على ما أسلفنا بيانه.

ومن هذا يُعلم أن تتبع رخص المذاهب بأن يأخذ المقلد بقول المذاهب في المسائل المتعددة جائز.

أما إذا اتحدت المسألة حقيقة أو حكمًا فلا يجوز كما حققه الكمال في التحرير وصاحب مسلم الثبوت في باب الإجماع وكلاهما في فَن أصول الفقه؛ لأنه لا يَتَرَتَّب على الأخذ برخص المذاهب في المسائل المتعددة ـ وهو التلفيق بالمعنى المتقدم ـ خَرْقُ الإجماع في مسألة متفق عليها، وقد اختار ذلك الآمدي والرازي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت