أمانة فقهاء الإسلام
جاءنا كتاب من مسلم غَيور يَوَد لو تطمئن نفسه ببيان ما كان عليه السلف الصالح من المسلمين: هل كانوا متزمتين في الدين لا يَرَوْنَ إلا ما هو عزيمة ومشقة، أو كانوا سُمَحَاءَ يَجْمَعون بيْن ما هو شديد وما هو رفيق بالناس من الأحكام؟
ويَسُرُّنَا أن تَتَحَرَّك بواعث الهمم إلى البحث والاستقصاء في أمثال هذه البحوث، فهي البشير بالخير، والسبيل إلى نشر فضائل الإسلام، وإذاعة فضل السابقين الأولين في جهادهم العظيم.
ألا فلتعلم ـ وفقك الله ـ أن الله، تعالى، قد بعث رسوله خاتم النبيين، بكتاب عربي مبين رحمة للعالمين، وأَمَرَه أن يُبَيِّنَه للناس ويُقِيمَ تعاليمه ويَنْشُرَ علومه، ويُبَلِّغَه كما أُنْزِلَ ليحفظه المسلمون ويبقى متواتر الرواية محفوظًا كما أُنْزِلَ إلى يوم الدين. فبَلَّغَ الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ كل القرآن سُورًا وآيات وبيَّن بالسنة ما فيه، وأَمَرنا بطاعة الله وطاعة رسوله فيما بَلَّغَ وبَيَّن فقال تعالى: (أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ) وقال: (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ) وقال: (وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا) فعَلِمَ الصحابة التنزيل وأحاطوا به كل الإحاطة، وكان هو دستور الأمة والملة، ورَوَوْا عن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ قوله وفعله وتقريره وبيانه وأحكامه ولم يَدَعُوا شيئًا مما قاله أو فَعَلَه إلا أَقَرُّوه ورَوَوْه وبَيَّنُوه للأمة ونَقَلُوه لمن بعدهم بصدق وأمانة ودقة وتثبت، امتثالًا لقوله عليه الصلاة والسلام:"لِيُبَلِّغِ الشاهدُ منكم الغائبَ، فرُبَّ مبلَّغٍ أَوْعى مِن سامِع". وفي هذا إشارة إلى وُجوب التثبت من الرواية والحرص على أدائها كما سُمِعَت لِمَنْفَعة العباد في كل زمان.