وقد دَرَجَ السلف الصالح على ذلك، فما كَتَمُوا عِلمًا، ولا شَرَعوا حُكْمًا، وإنما نقلوا بالأمانة ما رَوَوْه وما فَهِموه بسلائقهم السليمة وعقولهم الناضجة المستنيرة، وانتشرت الأحاديث في الأمة وسائر الأقطار، وتفرق الرواة فيها فمَسَّت الحاجة إلى تَمْحِيص الروايات والأحاديث، والبحث عن حال الرواة وضبطهم وإتقانهم وأمانتهم وعدالتهم وعقائدهم وميولهم وصدقهم، فنهض بذلك الأئمة الثقات والأعلام الأَثْبَات، وبَذَلُوا فيه جُهدًا جَبارًا لم يَسْبِق لأمة من أمم الأرض أن نهضت بمثله، في عزم وأمانة، وصدق ومثابرة، وتأليف وتدوين، وبحث واستقصاء وتَحَرٍّ وإتقان، فأثمرت جهودهم ثَمَرًا شهيًّا، وتَمَيَّز الزُّبْدُ من المَخِيض، والطَّيِّبُ من الخَبِيث، والصادق من الكاذب، واستَقَرَّت السُّنَّة وظهرت أعلامُها نَقِيَّة من الزائف والدخيل، حتى لم يَبْقَ لأحد شُبْهَة في صحة الحديث الصحيح، ولا في عدم صحة ما انتقدوه من المَرْوِيَّات وهو أقسام عديدة كما في علم مصطلح الحديث.
يَعْرِف ذلك تَمام المعرفة مَن رَاضَ نفسه على دراسة السُّنَّة ورواياتها وشروحها، وما أُلِّفَ فيها من الكتب والمسانيد، وما أُلِّفَ في الجَرْحِ والتعديل، وما ذُكِرَ في تواريخ الرواة ونشأتهم وجميع أحوالهم، وفي المكتبة الإسلامية من ذلك ما تَقَرُّ به الأعين، وما يبعث في النفوس كل الطمأنينة إلى نَقَاءِ السُّنَّة وأمانة الأئمة وفقه المجتهدين والتابعين لهم من فقهاء الإسلام، رضي الله عنهم أجمعين.