التوكل والأخذ بالأسباب في الإسلام
منح الله الإنسان العقل لِيُفَكر ويُدَبِّر، ووهبه الإرادة ليختار ويُؤثِر، وأمده بالقوة ليعمل وينفِّذ. وما دام في الدنيا فله أهداف يسعى إليها، ومطالب تضطره الحياة إليها، تلجئه الطبيعة البشرية فيتلمس لها الوسائل التي جَرَت السنة الكونية بالاعتماد عليها، والأسباب التي من شأنها أن تُوَصِّل إليها، وقَلَّمَا يحصل على ما يريد دون أن يكدح ويَكِدّ ويسعى ويَجِدّ، ويَسْلُك إليه السبيل الأَسَدَّ. وقد مَضَت سُنَّة الله ـ تعالى ـ بربط المسبَّبات بالأسباب، حتى استقر في الأفهام أن محاولة نيل المطالب دون مباشرة أسبابها ضرب من العبث، وطمع في غير مطمع. فالجوع لا يندفع إلا بالغذاء، والحر والبرد لا يُدْرَءان إلا بالكساء، والأرض لا تنبت إلا بالبذور والماء، والأمراض لا تزول إلا بالعلاج والدواء، والتناسل إنما يتم بالازدواج، والعلم إنما يُنال بالتعلم، والنصر إنما يُنال بالجهاد. ولا يَجْرِي على غَيْر هذا السَّنَن إلا الخوارق والمعجزات.
وقد جَرَى الإسلام في أَحْكَامه على هذا المنهاج، فأَوْجَب التوسل إلى المقاصد بالأعمال فقال تعالى: (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ) (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا) (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى) (فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ) (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ) .
وأوجب العمل بالمأمورات لِنَيْلِ السعادة الدنيوية والأخروية، وجَعَل مناط الثواب والعقاب في الآخر ما يعمله الإنسان في الدنيا (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ. وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) (كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ) .