حُكم أخْذ الأجْرة على قراءة القرآن:
غير أنه مما يلزم التنبُّه له أن وصول ثواب تلاوة القرآن إلى الميت مُقيد بما إذا كانت القراءة تطوُّعًا بدون أجر، كما ذكره ابن القيم (وهو رأيْ شيخ الإسلام ابن تيمية) وأئمة الحنفية (ذهب الحنفية إلى عدم جواز الاستئجار على الطاعات، كتعليم القرآن وتلاوته، وتعليم الفقه، والأذان، والإقامة، والإمامة، والوعظ، والحج، والعمرة، والغزو والصلاة والصيام، وغير ذلك مما يُعَدُّ في نفسه طاعة. بمعنى أنه لا تجب الأجرة ولا يجوز أخذها ولا إعطاؤها، والإجارة باطلة. وبه قال الضحاك وعطاء والزهري وأحمد في رواية.
واستثنى المتأخرون منهم تعليم القرآن، فأجازوا أخذ الأجرة عليه تَحَرُّزًا من ضياعه وترغيبًا في حفظه، وعليه الفتوى. وبه قال مالك والشافعي وأبو قلابة وأبو ثور وابن المنذر. وكرهه مع الشرط الحسن وابن سيرين وطاوس والشعبي والنخعي. وبعضهم استثنى أيضًا الأذان والإقامة والإمامة وتعليم الفقه والوعظ للضرورة. وبقي أخْذ الأجرة على القراءة المجردة على الحظْر لعدم وجود الضرورة فيه كما نَصُّوا عليه، فلا يجوز أخذ الأجرة عليها، كما لا يجوز أخذ الأجرة على الصلاة والصيام.
نعم، يجوز للإنسان أن يتبرع بثواب هذه العبادات لغيره حيًّا أو ميتًا بدون استنابة ولا تأجير، فيُرجى أن يصل ثوابها إليه. فإذا تبرَّع إنسان بقراءة القران للميت، وجعل ثوابه له جاز سواءً كانت القراءة عند القبر أو بعيدًا عنه، ففي وصايَا"الوَلْوَالِجية": لو زار قبر صديقٍ أو قريب له، وقرأ عنه شيئًا من القرآن فهو حسن. اهـ وفي"خزانة المُفتين": ولو زار قبر صديق له فقرأ عنده لا بأس به". اهـ وقد نُقل عن الإمام القول بكراهة القراءة عند القبر وهو رواية، والكراهة فيه يظهر أنها تنزيهية."