أيهما أفضل التقي الأعمى أو التقي البصير؟
(السؤال) : أي الرجلين أفضل عند الله تعالى تقي أعمي لا يرى بعينيه المنكرات أو تقي بصير يراها ويجاهد نفسه فيها؟
(الجواب) : قد اقتضت حكمة الله تعالى في تكوين مخلوقاته أن يكون فيها الفاضل والمفضول، لا فرق في ذلك بَيْن أفراد الإنسان وأنواع الجماد والأزمنة والأمكنة وغيرها. فما وَرَدَ فيه نص على التفضيل أو أومأت إليه الدلائل نعلمه ونُقِرُّه، وما لم يَرِد فيه ولا قامت عليه أدلة وأمارات نَكِلُ أمره إلى الله تعالى، ولا نهجُم فيه على الغيب، وقد قال الله تعالى: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالبَصَرَ وَالفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولًا) وليس في البحث عنه كبير فائدة، بل هو من التعمق الذي ليس له ثمرة ولا عظيم فائدة، وصرف الوقت فيما هو أنفع وأَجْدَى مطلوب من المكلفين شرعًا وعقلًا.
على أن الأعمى وقد فَقَدَ حبيبتَيه إذا صبر على بليته عَظُمَ أَجْرُه وعُوِّضَ عنهما الجنة، كما في حديث أنس قال: سمعت رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول:"إن الله ـ عز وجل ـ قال: إن ابتلَيت عبدي بحبيبتَيه (أي عينيه) فصبر عوضته منهما الجنة"رواه البخاري. فله بذلك كبير فضل على البصير من هذه الجهة.
وإذا نظر إلى أنه هو والبصير وإن اشتركا في ثواب جهاد النفس فيما يُدرَكُ من الموجودات بالسمع وباقي الجوارح عدا البصر، فقد انفرد البصير بمجاهدة النفس فيما يُدرَكُ بحاسة البصر، وليس هو بالأمر القليل، فإذا وقى نفسه من هذه المرتبات الفاتنة كان ثوابه أعظم من الأعمى من هذه الجهة، فلكلٍّ فضيلةٌ ومَزِيَّةٌ، وقد يكون الشيء الواحد فاضلًا من جهة ومفضولًا من جهة أخرى. والله تعالى أعلم.