وحَرَّمَ ترك الكسب وإهمال الأسباب في بعض الأحوال كما يشير إليه قوله تعالى: (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) .
فمن ترك الكسب ولزم عُقْرَ داره، وأغلق على نفسه الأبواب حيث لا طريق لأحد إليه، وانتظر القوت من السماء، وظن ذلك توكلًا فقد ارتكب إثمًا وجَهِلَ سنة الله ـ تعالى ـ فإن السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة ولا طعامًا ولا قوتًا.
وكان من دأب الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ مباشرة الأسباب، فتَداوَى من الداء، وأمر بتعاطي الدواء فقال:"ما أَنْزَل الله داء إلا أنزل له شفاء فتَداوَوا"وَظَاهَرَ في الحرب بين دِرْعَيْنِ، ولَبِسَ على رأسه المِغفَر، أخذًا بالسبب المألوف في اتقاء الأعداء، وهو الذي عصمه الله من الناس، وأقعد الرماة على فَمِ الشِّعْب، وحَفَر الخندق حول المدينة في غزوة الأحزاب، وأذن أصحابَه في الهجرة إلى الحبشة وإلى المدينة، وهاجر بنفسه إليها وتَعاطَى أسباب الأكل والشرب لدفع الجوع والظمأ، وتَزَمَّلَ وتَدَثَّر، وادَّخَر لأهله القوت ولم ينتظر ذلك من السماء.
فكان ذلك تعليمًا للأمة وإرشادًا، وتشريعًا للكسب وتَعَاطي الأسباب.
غير أن الارتباط بين الأسباب والمسبَّبات ليس ذاتيًّا طبيعيًّا بحيث إذا وُجِدَ السبب وُجِدَ المسبَّب لا مَحَالَة، وإنما هو ارتباط عادي مَحْضٌ قد يَتَخَلَّف فيه المسبَّب عن السبب، بل كثيرًا ما يَتَخَلَّف، كما يَشْهَد به الواقع والمشاهدة، فإنا نَرَى أحكم الناس رأيًا وأوسعهم حيلة يبتغي إلى غرضه كل سبب ووسيلة، ثم نراه يُخفِق فيه إخفاقًا شديدًا، ونرى الفسائل تُغرَس في الأرض الخصبة وتُروَى بالماء وتُتعَهَّد بوسائل الإنماء وتُحاط بأسباب الوقاية من الآفات، ثم نراها وقد جَفَّت وصَوَّحَت، فلم تَنَلْ حظًّا من الحياة، أو نرى الآفة قد أَحَاطَت بثمرها فلم تَبْقَ منه باقية.