وترى الرجل يتخذ أقصى ما يستطيعه من وسائل السعادة ثم لا يَسْعَد، ويباشر أسباب بَسْطَة العيش ثم يظل عمره ضيق اليد لا يكاد يحصل على الكفاف، بل يحوط نفسه بأسباب الوقاية أو العلاج فيصاب ولا يَبْرَأ، إلى نظائر لا تُحصَى كثرة.
بينما نشاهد كثيرًا حدوث المسبَّب إِثْرَ مباشرة السبب. فما هو السر في ذلك مع بذل الوُسْع في اكتساب الأسباب؟
(نعم) السر فيه أن الأمر ليس أمر الأسباب والوسائل وحدها، وليس مَرَدُّه مجرد إرادة الإنسان وقدرته، وإنما وراء ذلك إرادة أعلى لا تساويها إرادة، وقدرة أقوى لا تغالبها قدرة، تدبِّر بالحكمة هذا الكون وتنظمه، وتهيمن عليه وتصرفه، وتُوَجِّه هذا الإنسان وتُوَفِّقه، بِيَدِها وحدَها الخلق والأمر، والحياة والموت، والمنع والإعطاء، والتوفيق والخِذْلان، إذا شاءت وُجود المسبَّب بَعْد السبب وُجِدَ، وإذا لم تشأ لا يوجد، وإذا شاءت وفقت للأسباب الصحيحة، وإذا شاءت خذلت في مجال الاختيار والعمل (مَا يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ العَزِيزُ الحَكِيمُ) (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ) .