وقد اختلف العلماء في تَعْيِينهم كما ذكره شُرَّاح الحديث، فقيل: هم الذين ارْتَدُّوا عن الإسلام على عهد أبي بكر ـ رضي الله عنه ـ فقاتلهم حتى ماتوا على الكفر. وهم قوم من جُفَاة الأعراب دَخَلوا في الإسلام رَهْبَة، وليس لهم نُصْرَة في الدين، يُحْشَرون بالغُرّة والتحجيل لكونهم من جملة الأمة وهُمَا من خصائصها، فيناديهم من أَجْلِ السِّيما التي عليهم ويقول: يا رب أصحابي. فيقال له إنهم بَدَّلُوا بعدك دينهم، ولم يموتوا على ظاهر ما فارقتهم عليه، فيُؤْمر بهم إلى جهة النار فيقول الرسول: (سُحْقًا سُحْقًا) كما في بعض الروايات ويُذهِبُ الله عنهم الغُرَّة والتحجيل، ويُطفئُ نورَهم.
وهذا القول هو الظاهر من الحديث؛ ولذا رجَّحَه القاضي عياض والباجي وغيرهما والإمام النووي في شرح مسلم في باب فناء الدنيا وبيان الحشر يوم القيامة.
وهؤلاء المرتدون لا تُعْرَض أعمالهم على الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في حياته البرزخية كما لا تُعْرَض عليه أعمال سائر من مَاتَ على الكفر من أمة الدعوة، لا فَرْقَ بين من كان في عهد الرسالة ومن جاء بَعْدَه، وإنما تُعْرَض عليه أعمال (أمة الإجابة) وهم الذين ماتوا على الإيمان؛ لذلك يَحمَد الله على ما أتَوا من حسنات، ويستغفر الله لهم فيما أتَوا من سيئات، ولا يمكن الاستغفار لمن مات كافرًا.
فلا تعارض بين الحديثين، إذ حديث ابن عباس في شأن من ارتد عن الإسلام في عهد الصديق وقُتِلَ على ردته وكفره، وهؤلاء لا تُعْرَض أعمالهم على الرسول؛ ولذلك تَخفَى عليه، وحديث عرض الأعمال خاص بمن مات من المؤمنين من أمة الإجابة على الإسلام.