وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) فلا تقولوا حتى يقول، ولا تأمروا حتى يأمر، ولا تُفْتُوا حتى يُفْتِيَ، ولا تقطعوا أمرًا حتى يكون هو الذي يَقْطَع فيه ويَحْكُم، ولا فرق في ذلك بين حال حياته وحال وفاته ـ صلى الله عليه وسلم ـ فكما لا يجوز التقدم عليه في شيء من ذلك حال حياته، لا يجوز التقدم على ما أُثِرَ عنه من السنن والشرائع بعد وفاته، فمن آثر قضاءه على قضاء الرسول وقوله على قوله، وقدم رأيه وهواه على ما ثَبَتَ من هَدْي النبوة فقد قَدَّمَ نفسه على الرسول وعصى ربه في قوله تعالى: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) وكان بذلك ضالًّا ضلالًا مبينًا وخاسرًا خسرانًا عظيمًا.
قال الإمام ابن القيم في إعلام الموقعين في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ) إنه تعالى جعل رفع أصواتهم فوق صوت رسوله المبعوث سببًا لحبوط أعمالهم، فكيف بتقديم آرائهم وعقولهم وأذواقهم وسياستهم ومعارفهم على ما جاء به ـ صلى الله عليه وسلم ـ ورفعها عليه؟ أليس هذا أولى أن يكون محبطًا للأعمال وخسرانًا مبينًا؟
ودَلَّ قوله تعالى: (إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ) على أن مِن لوازم الإيمان أنهم لا يذهبون مذهبًا إذا كانوا معه إلا باستئذانه، وإذنه يعرف في حياته مُعَايَنة، وبعد وَفَاتِه بدلالة سُنَنِه الصحيحة الثابتة عليه.