فهرس الكتاب

الصفحة 421 من 797

وإذن نقول: من نظر إلى أن التشريح قد يكون ضروريًّا في بعض الظروف، كما إذا اتُّهم شخص بالجناية على آخر، وقد يبرأ من التهمة عندما يُظهر التشريح أن ذلك الآخر غير مجني عليه، وقد يُجنَى على رجل ثم يُلقَى بعد الجناية عليه في بئر بقصد إخفاء الجريمة وضياع الجناية إلى غير ذلك مما هو معروف، فضلًا عما في التشريح من تقدُّم العلم الذي تنتفع به الإنسانية كلها وينقذ كثيرًا ممن أشفَى على الهلكة، أو أناطت به الآلام من كل نواحيه، فهو يأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت، إلى غير ذلك مما لا داعي للإطالة فيه ـ نقول: من نظر إلى ذلك الإجمال وما يتبعه من التفصيل لم يسعه إلا أن يُفتيَ بالجواز تقديمًا للمصلحة الراجحة على المفسدة المرجوحة، ومتى كان تشريح الميت بهذا القصد لم يكن إهانة له ولا منافيًا لكرامته.

على أن هذا أولى بكثير فيما نراه مما قرره الفقهاء ونصوا عليه في كتبهم؛ من أن الميت إذا ابتلع مالًا شُقَّ بطنه لإخراجه منه ولو كان مالًا قليلًا، ويقدره بعض المالكية بنصاب السرقة أى ربع دينار أو ثلاثة دراهم، وكلام الشافعية قريب من هذا، وربما كان الأمر عندهم أهون وأوسع في تقدير المال الذي يبتلعه، فإذا قسنا ذلك المال الضئيل على ما ذكرنا من الفوائد والمصالح وجدنا الجواز لدرء تلك المفاسد وتحصيل تلك المصالح أولى من الجواز لإخراج ذلك المال القليل فهو قياس أولويٌّ فيما نراه اهـ.

غير أنَّا نرى أنه لابد من الاحتياط في ذلك حتى لا يتوسع فيه الناس بلا مبالاة فليقتصر فيه على قدر الضرورة، وليتقِ الله الأطباء وأولو الأمر الذين يتولون ذلك، وليعلموا أن الناقد بصير والمهيمن قدير، والله يتولى هُدَى الجميع. والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت