فإذا ثبت علميًّا أن ترقيع القرنية بهذه العيون هو الوسيلة الفنية لدرء خطر العمى أو ضعف البصر عن الإنسان يجوز شرعًا نزع عيون بعض الموتى لذلك بقدر ما تستدعيه الضرورة لوجوب المحافظة على النفس، ولذا تقررت مشروعية التداوي من الأمراض محافظة على النفس من الآفات، فقد تداوى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مما أَلَمَّ به من الأمراض، وأمر الناس بالتداوي لإزالة العلل والآلام فيما هو أقل شأنًا مما نحن بصدده، وذلك يستلزم مشروعية وسائله وجواز استعمال ما تقتضيه ضرورة التداوي والعلاج ولو كان محظورًا شرعًا، إذا لم يقم غيره مما ليس بمحظور مقامه في نفعه بأن تعين التداوي به.
على أن الواجب شرعًا على الأمة أن تختص منها طائفة بالطب والعلاج بقدر ما تستدعيه حاجتها وبحسب تنوع أمراضها، فيجب أن يكون فيها أطباء في كل فروع الطب ومنهم أطباء العيون سدًّا لحاجة الأمة في هذا الفرع، بحيث إذا قصَّرت الأمة في ذلك كانت آثمة شرعًا.
وهذا الواجب هو المعروف في الأصول (بالواجب الكفائي أو الفرض الكفائي) ويجب عليهم أن يحذقوا الفن حتى يؤدُّوا وظائفهم أكمل أداء، فإذا هُدوا إلى علاج نافع لأمراض العيون يحفظ حاسة البصر أو يعيدها بعد الفقد وجب عليهم أن ينفعوا الناس به، ووجب تمكينهم من وسائله بقدر ما تقتضيه الضرورة والحاجة.
وللوسائل في الشرع حكم المقاصد، ولذلك جاز أن يباشر طلاب الطب وأساتذته تشريح جثث الموتى ما دام ذلك هو السبيل الوحيد لتعلم فن الطب وتعليمه والعمل به، وبدونه لا يكون طب صحيح ولا علاج مثمر، بل لا يُعدُّ طبيبًا من لا يعرف فن التشريح علمًا وعملًا كما قرر ذلك جميع الأطباء.