فهرس الكتاب

الصفحة 425 من 797

ويجب أن يُعلم أن إباحة نزع هذه العيون لهذا الغرض مقيَّدة بقدر ما تستدعيه الضرورة، لما تَقَرر شرعًا أن ما أُبيح للضرورة يُقدَّر بقدرها فقط، ولذلك لا يجوز للمضطر لأكل الميتة إلا قَدْر ما يَسُد الرمق، وللمضطر لإزالة الغصَّة بالخمر إلا الجرعة المُزيلة لها فقط، ولا يجوز أن تستر الجبيرة من الأعضاء الصحيحة إلا القدر الضروري لوضعها، ولا يجوز للطبيب أن ينظر من العورة إلا بقدر الحاجة الضرورية.

وغير خافٍ أن ابتناء الأحكام على المبادئ العامة والقواعد الكلية مسلك أصولي في تَعرُّف الأحكام الجزئية في الحوادث والوقائع النازلة التي لم يرد فيها بعينها نص عن الشارع، ولذلك نجد الشريعة الإسلامية لا تضيق ذرعًا بحادث جديد، بل تفسح له صدرها وتشمله قواعدها الكلية ومبادئها العامة.

وإذ قد عُلِمَ من هذا أنه يجوز شرعًا بل قد يتعين نزع عيون بعض الموتى لهذا الغرض العلمي الإنساني بقدر ما تستدعيه الضرورة، يعلم أنه لا يجوز أن يكون ذلك بقانون عام يخضع له جميع الموتى على السواء؛ لأن ذلك فضلًا عن أنه لا تقتضيه الضرورة ـ كما هو ظاهر ـ مُفْضٍ إلى مفسدة عامة لا وزن بجانبها لمصلحة علاج مريض أو مرضى، مظهرها ثورة أولياء الموتى وأهليهم إذا أُريدَ انتزاع عيون موتاهم قهرًا ثورة جامحة عامة. فيجب أن يقتصر في ذلك على عيون بعض الموتى ممن ليس لهم أولياء ولا يُعرف لهم أهل، ومن الجُناة الذين يُحكم عليهم بالإعدام قصاصًا، والتحديد بهذا وافٍ بالغرض دون اعتراض أحد أو مساس بحقه. والله أعلم..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت