وهذه الرُّخصة يُسميها أئمة الحنفية:"رخصة الإسقاط"؛ لأن الله ـ تعالى ـ أسقط عن المضطر حُرمة الأكْل من الميتة، فأباحه حيثُ استثناه من دليل الحُرمة، والاستثناء تكلُّمٌ بالباقي بعد الثُّنَيَّا ، فكأنه قيل: أُحلَّ لكم عند الاضطرار أكل الميتة، فلم تتعلق به الحُرمة لهذا العُذر.
وفي"أحكام القرآن"للإمام أبي بكر الرازي أن أكل الميتة مباح في حال الضرورة، كسائر الأطعمة في غير حال الضرورة، وأنه لا يُباح للمُضطرِّ الزيادة عمَّا يسدُّ الرَّمَق، أو يُزيل خوف التلَف، وأن أكل هذا القدر فرضٌ عليه، فإذا امتنع عنه حتى مات، صار عاصيًا قاتلًا لنفسه، كما أنه إذا امتنع منه بعد الإكراه المُلجئ حتى قُتل مات عاصيًا، وكان في الحالتينِ بمنزلة مَن ترك الطعام والشراب وهو واجدُهما حتى مات فيموت عاصيًا لله جانيًا على نفسه. اهـ.
وكذلك رخَّص الله للمُضطر في شُرب شيء من الخمر بقدْر إزالة العطش الشديد أو إزالة الغُصَّة إذا لم يجد في الحالينِ سواها، أو إذا أُكره على شربها بما يتلف نفسه أو عُضوًا منه إكراهًا مُلجئًا في نظر الشارع.
... ويُستفاد ذلك من قوله ـ تعالى ـ: (وقدْ فَصَّلَ لكمْ ما حرَّمَ عليكمْ إلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إليهِ) . فإنه ـ تعالى ـ فصَّل في كتابه المُحرمات ومنها الخمر في عدَّة مواضع، واستثنت هذه الآية حالة الاضطرار مِن التحريم عامَّة مِن غير تخصيص بمُحرم مُعيِّن، فانتظم عُمومها الخمر وغيرها من المُحرمات فتُباح عند الاضطرار، وقد علمت أنه لا يُباح من الخمر إلا القدْر الذي بيَّناه لا يزاد عليه تقديرًا للضرورة بقدْرها.
على أن النصَّ على إباحة الميتة للمضطر يدلُّ على إباحة الخمر عند الاضطرار وأن الميتة إنما أُبيحت لإحياء النفوس وتدارُك التلف وهذا المعنى موجود في سائر المحرمات في حالة الضرورة. فيجب أن تكون جميعها في الحكم سواء. فيُباح الضروريُّ منها عند الاضطرار. ومثله الإكراه المُلجئ.