يستفتيهم الناس في الحوادث فيفهمونها حق الفهم، ويمعنون النظر والروية فيها، حتى يفقهوا ظاهرها وخافيها، ثم ينظرون فيما جاء بشأنها في الكتاب والسنة، وفيما استقر عليه إجماع المجتهدين في الأمة، ثم يقضون فيها بما قضى به الله، تعالى، ورسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وإلا اجتهدوا الرأي وبَذَلُوا الوُسْعَ في استنباط الأحكام من موارد الشريعة، فإذا هُدُوا إليها قالوا للناس: هذا في دين الله حلال أو حرام، وهذا حق أو باطل تعليمًا وإرشادًا.
وكانوا مُتَأَهِّبِينَ للفُتْيَا بعلم غَزِير، واطِّلَاع وَاسِع، وحِفْظٍ ودِرَاية، وصَفَاء ذهن واستقامة فهم، وقوة مَدْرَك، ورسوخ مَلَكَة، وإحاطة برُوح التشريع واختلاف الآراء وتَطَوُّر الزمان والعادات، مع صلاح في الدين، وصراحة في الحق، وأمانة في النقل، وصَدْع بأمر الله تعالى في كل أمر والله المستعان.
روي عن الإمام الشافعي ـ رضي الله عنه ـ أنه قال:"لا يَحِل لأحد أن يفتي في دين الله إلا رجلًا عارفًا بكتاب الله، تعالى، بصيرًا بحديث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بصيرًا باللغة الفصحى والشعر الجيد، وما يحتاج إليه منهما في فهم القرآن والسنة، ويكون مع هذا مشرفًا على اختلاف علماء الأمصار، وتكون له في ذلك قريحة وَقَّادَة فإذا بلغ هذه الدرجة فله أن يفتي في دين الله تعالى ويُبَيِّن الحلال والحرام، وإذا لم يكن هكذا فليس له أن يفتي".
وقيل ليحيى بن أَكْثَم:"متى يَحِل للرجل أن يُفْتِيَ؟ فقال: إذا كان بصيرًا بالرأي بصيرًا بالأثر"يريد بالرأي فَهْم معاني النصوص وعِلَلِها الصحيحة التي نَاطَ الشارع بها الأحكام، ويريد بالأثر السنن الثابتة عن الرسول، صلى الله عليه وسلم.
ومع تأهبهم للإفتاء بهذه العدة القوية الحكيمة، كانوا يكرهون التسرع في الإفتاء، ويَوَدُّ كل واحد منهم أن يَكْفِيَه غيرُه أمرَه وكلهم أمناء أتقياء عارفون أوفياء.