ومن عهود الخير العهد بين الناس بعضهم مع بعض على الطاعة والجِدِّ في الخير والإصلاح كالعهد الذي يأخذه بعض مشايخ الصوفية على المُرِيدِين، والأصل فيه البيعة النبوية التي تَمَّتْ بين الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وبَيْن رَهْط الأوس والخزرج عند العقبة قبل الهجرة، والبيعة التي تَمَّتْ بيْن الرسول والمؤمنين يوم الحديبية.
ومنها العهد الذي كان يُبْرِمه وَلِي الأمر لأهل الكتاب من رعيته أن يرعاهم ويعدل فيهم ويُؤَمِّنَهُم على الأرواح والأموال والأعراض. فهذا عهد واجب الوفاء شرعًا، به صاروا أهل ذمة وعهد، لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم، وبه التزم كل فريق أن يوفيَ ما وجب عليه فلا عدوان ولا ظلم ولا ضَرَر ولا مُمَالَأَة لعدو ولا كَيْدَ ولا انحراف. وفي هذا العهد خير عام وأمن شامل وسلام.
وقد خَصَّهُ الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالذكر تأكيدًا له وتَنْوِيهًا بعظيم شأنه وخطر الإخلال به فقال فيما يرويه عنه عبد الله بن عمرو: (مَن قتل قتيلًا من أهل الذمة لم يَرُحْ رائحة الجنة وإن رِيحَها ليوجد من مسيرة مائة عام) وفيما يرويه أبو هريرة: (أَلَا مَن قتل نفسًا معاهدًا، له ذمة الله وذمة رسوله، فقد أخفر ذمة الله) أي نقض عهده وذِمَامَه. وفي حديث آخر رفعه: (من قتل نَفْسًا معاهدًا بغير حَقِّها لم يَرُحْ رائحة الجنة وإن ريح الجنة ليوجد من مسيرة مائة عام) فجعل الرسول جزاءَ قتل المعاهد بغير حق الحرمانَ من الجنة وليس بعد الجنة إلا النار.
أمَّا عهود المعصية التي يَحْرُم الوفاء بها فَمِنْهَا نَذْر المعصية، وهو باطل شرعًا مردود على صاحبه، وفي الحديث (لا نذر في معصية) .