وإن عِلَّةَ الجواز في الوَجْه والكفين والقَدَمَيْن راجعة إلى الضرورة والحاجة المَاسَّة ودفع الحرج والمشقة في السِّتر، ومعلوم بَدَاهة أن الضرورة تُقَدَّر في الشرع بقدرها، وأن الاستثناء لا يُتوسع فيه، ولا ضرورة مطلقًا في إبداء غير هذه الأعضاء التي استُثنيَت، ولا في إبداء الزينة الفاحشة التي تُبْدِيها النساء الآن في وجوههن وأيديهن وأرجلهن، فيَبقَى حُكْمُها على الحرمة الأصلية بالنسبة لنظر الأجانب من الرجال دون الأزواج وذوي المحارم.
هذا تفصيل ما أجملناه في الفتوى وهذه نصوصه من مصادرها في مذهبنا وفي كتب التفسير، وقد عَلِمْتَ أنه رأي كثير من الأئمة.
نعم هناك من يَرَى أن الوجه عورة كما سبق في عبارة الشوكاني، وهناك من يرى أنه ليس بعورة ولكن يجب ستره خوف الفتنة. وهناك من يُفَرِّق في ذلك بين الشابة والعجوز. وهناك من يَقْصُر الجواز على مواضع الضرورة التي أَشَرْنا إليها. ولكلٍّ رأيُه وحُجَّتُه. ومَرَدُّ الخلاف في هذا إلى الخلاف في تفسير (مَا ظَهَرَ مِنْهَا) .
وليس للمُقَلِّد لمذهب بعد أن اسْتَقَرَّت المذاهب أن يَنْقُض مذهبًا بمذهب ولا أن يَطْعَن في حكم مُدَوَّن في مذهب بمجرد مخالفته لحكم مذهب آخر.
وسبيل العلماء في البحث أن يَطْلُبَ السائل من المُعلِّل (كلمتان مصطلَح عليها في أدب المناظرة) تصحيح النقل إن كان ناقلًا، وإقامة الدليل إن كان مدعيًا، ثم يجري البحث بينهم إلى مداه حَسَب الأوضاع المُقرَّرة في علم آداب البحث والمناظرة، مع وُجُوب رعاية الأدب الإسلامي والهَدْي النبوي في البيان بالقول واللسان.
أما الإقْذَاع والسِّباب فهو سبيل الحَمْقَى من الجهال والسفهاء من الغوغاء، وهو سبيل يأباه الدين ويَعِفُّ عنه الخلق الكريم، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. والله أعلم.