وفي هذه الرحلة السماوية فرض الله عليه وعلى أمته خمسين صلاة في اليوم والليلة، ولكنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ طلب من ربه التخفيف عن أمته بعد أن سمع من أخيه موسى عليه السلام ما سَمِعَ، وما زال يدعو ربه ألاّ يَشُقَّ على أمته حتى أوحى الله إليه أنه جعلها خمس صلوات في العَدِّ وخمسين في الأجر، والله رؤوف رحيم.
فاخْتُصَّت هذه الليلة بفرض أعظم فرائض الإسلام وأقوى مبانيه وأركانه بعد الشهادتين، وهي فريضة الصلاة التي يشتغل فيها القلب بالنية والإخلاص والخشوع لله والطاعة له والتجرد عما سواه. ويشتغل فيها اللسان بالذكر والحمد والثناء على الله وتلاوة آياته والشهادة له بالألوهية، ولمحمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالرسالة والسلام عليه. وتشتغل فيها الجوارج بالقيام والركوع والسجود، وهو أعظم مظاهر العبودية والطاعة، فلا جَرَمَ أن كانت الصلاة أفضل العبادات وأَجَلَّ نِعَم الله على عباده بعد الإيمان. كيف وهي مناجاة بين العبد وربه خمس مرات في اليوم والليلة يَحمَد ربه ويمجده ويثني عليه ويخصه بالعبادة والاستعانة ويطلب منه الهداية إلى الصراط المستقيم، ويَقْرَع باب رحمته ورضوانه، ويتذلل ويخضع ويخشع ويقف في مقام العبودية المحضة لرب العالمين.