كما اختُصَّت بظهور تلك المعجزة الباهرة التي نَطَقَ بها القرآن تصديقًا للرسول في دعوى الرسالة وتأييدًا له في دعوة الحق، وتبعتها معجزة أخرى، وذلك أنه ـ عليه الصلاة والسلام ـ بعد أن عاد في تلك الليلة نفسها من رحلتيه الأرضية والسماوية، وأخبر في الصباح بما رأى، فسارع أقوياء النفوس إلى تصديقه وسارع المشركون كدَأْبِهم إلى التكذيب، وطلبوا منه أن يَصِف لهم بيت المقدس، وهم يعرفونه ويعلمون أنه لم يذهب إليه قط، تعجيزًا له، فأطلعه الله على كل ما فيه حتى يجيء الوصف كاملًا، فوصفه لهم أدق وصف، وَصْفَ مشاهدة وعِيَان فبُهِتُوا، وكانت كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى. والحمد لله رب العالمين.
ولله ـ تعالى ـ أن يُفَضِّل الأزمنة والأمكنة والأشخاص والجمادات بما شاء من أنواع الفضل، وهو الفعال لِمَا يريد، المتصرف في ملكه بما يشاء تصرفًا مطلقًا، لا مُعقِّبَ لحكمه وهو على كل شيء قدير.
ولذلك كانت هذه الليلة على ما ذهب إليه المحققون من الليالي الفاضلة، وفضلها راجع إلى فضل ما وقع فيها وما أنعم الله به على هذه الأمة، فالله الحمد والمنة والشكر والثناء على هذه النعمة.
وقد جَرَى المسلمون من قديم على التأهب للقيام بشكر الله ـ تعالى ـ في هذه الليلة من كل عام إذ هي ليلة ذكرى هذا الفضل العظيم. ومما يُشْكر به ـ تعالى ـ التقرب إليه بنوافل الطاعات، ومنها الصلاة وتلاوة القرآن والصدقات وصلة الأرحام والدعاء والتضرع ونحو ذلك.