وكرمه وإنعامه ينشر في القلوب الرجاء والسكينة والراحة والطمأنينة، فإذا ذكر المؤمن ربه ولم يغفُل قلبه عنه ولجأ إلى باب إحسانه يبتغي من فضله ورضوانه، باسطًا يدَ الرجاء سائلًا العطاء، وَجِلَ القلب من الحرمان ـ ذكره الله تعالى في ملأ من عنده، فأعطاه ما يتمنى وفوق ما يتمنى إذ كان بهذا المقام عبدًا أوابًا مُطيعًا قائمًا بحَقِّ سَيِّده وواجب عبوديته، فمن كَرَمِ اللهِ وجُودِه أن يوفيَه جزاءه ويَمْنحَه الحسنى وزيادة، ومن وَجَدَ حلاوة الذكر عرف كيف يحصل له الاطمئنان بِذِكْر الله وكيف تَنْقَشع الحُجُب عن قلبه عند ذلك حتى يَصِير كأنه يَرَى نور الله عِيانًا.
أما الذي يَغفُل قلبه عن ذكر الله ـ تعالى ـ فهو الطريد المحروم الذي أظلمت سريرته، وانطمست بصيرته، وعميت عيون قلبه، وغشيتها حجب القطيعة، وباء بالخسران العظيم، وقد قال تعالى: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ أَعْمَى. قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا. قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ اليَوْمَ تُنْسَى) .
وظاهرٌ أن قائل هذين البيتين قد عارض قول الله تعالى: (أَلَا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ) بقوله: بذكر الله تَنْطَمس البصائر والقلوب. وعارض قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خَيْر أعمالكم وأزكاها وأرفعها ذكر الله) بقوله: تَرْك الذكر أفضل من كل شيء. وعارض قول الله تعالى: (فَاذْكُرُوا اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكِمْ) بقوله: بذكر الله تَزْدَاد الذنوب. وجعل الذكر من المعاصي والذنوب.