والسر فيه أن المقصود من القرآن التعبير بلفظه المنزل والإعجاز به فلا يقدر أحد أن يأتي بلفظ يقوم مقامه، وأن تحت كل كلمة منه معانيَ لا يُحاط بها كثرةً، فلا يقدر أحد أن يأتي بدله بكل ما يشتمل عليه وقد أراد الله التخفيف على الأمة حيث جعل المنزَّل عليهم على قسمين: قسم يروونه بلفظه المُوحَى به، وقسم يروونه بالمعنى وهو الأكثر. ولو جُعِلَ كله مما يُروَى باللفظ لَشَقَّ كثيرًا، وبالمعنى لم يُؤمَنْ التبديل والتحريف اهـ.
وقريب من هذا قول الزهري حين سُئِلَ عن الوحي:"الوحي ما يوحي به الله إلى نبي من الأنبياء فيثبته في قلبه، فيتكلم به ويكتبه وهو كلام الله تعالى ومنه ما لا يَتكلم به ولا يكتبه لأحد ولا يأمر بكتابته. ولكنه يُحَدِّث به الناس حديثًا ويُبَيِّن لهم أن الله أمره أن يبينه للناس ويبلغهم إياه"اهـ.
والأول القرآن والثاني السنة.
فخصائص القرآن أنه وحي باللفظ والمعنى، وأنه كلام الله تعالى وأنه معجِز ومتعبَّد بتلاوته، وأنه لا تجوز روايته بالمعنى، وأنه لا يَمَسُّه إلا المطهرون، بخلاف السنة فإنها إيحاء بالمعنى، ولفظها من عند الرسول، وغير معجِز ولا مُتعبَّد به لكونه كلام البشر، وتجوز روايتها بالمعنى لمن لا يُخِلُّ به، ولا يَحْرُم مَسُّها ولا قراءتها على المُحدِث.
وكذلك اخْتُصَّ القرآن بأنه مُنَزَّل بواسطة جبريل ـ عليه السلام ـ فلا يكون وحيًا مناميًّا ولا إلهامًا، بخلاف السنة، فإن الوحي بها كما يكون بواسطة جبريل كما ذكره الجويني والسيوطي يكون منامًا، كما في حديث معاذ"أتاني رَبِّي فقال فيم يَخْتَصِم الملأ الأعلى"الحديث، ورؤيا الأنبياء وحْي إذ ليس للشيطان سبيل عليهم كما قال تعالى: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الغَاوِينَ) .