وقد أَقَرَّ الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذلك كما دَلَّ عليه الحديثان فكان أصلًا لمشروعية ما يقوم به كثير من المؤذنين في غَسَقِ الليل قبيل الفجر من التسبيح والتهليل والابتهال إلى الله ـ تعالى ـ إلى أن يَطْلُع الفجر قصدًا إلى المعنى الذي كان من أجله يؤذن بلال ـ رضي الله عنه ـ فهو نداء وتذكير وإن اختلف عن الأذان الأول في صيغته إذ كان الأول بألفاظ الأذان المعروفة كما يُفِيده ظاهر الحديث وهذا بالتهليل والتسبيح والابتهالات.
وكذلك يَشْهَد لمشروعية ما يَفْعَله بعض المسلمين اليوم من إيقاظ النائمين للتأهب لصلاة الفجر بذكر الله تعالى والثناء على رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وعِظَة الغافلين بما يَسْتَحِث هممهم ويَسْتنْهِض عزائمهم للمسارعة إلى الصلاة، وكل ذلك عبادة وطاعة. فإذا كان قبل طلوع الفجر فهو في معنى أذان بلال، وإذا كان بعد طلوعه فهو في معنى أذان ابن أم مكتوم، والغالب الأول.
وإذا عُلِمَ أن تَكْرَار الأذان العام بعد طلوع الفجر غير مشروع، وأن أكثر الناس في هذا الوقت وقبله ما بَيْنَ نائم يَغِطُّ في نومه ووَسْنَان كسلان، والنوم لذيذ والدَّعَة محبوبة، ولذا زِيدَ في أذان الفجر جملة:"الصلاة خير من النوم"وإذا تُرِكُوا وشأنَهم حُرِمُوا فضيلة الصلاة في أول وقتها، بل حُرِمُوا أداءها في وقتها ـ عُلم موقع هذا النداء من الحسن والفائدة، فهو إيقاظ وتنبيه وهو من التعاون على البر والتقوى ومن الذكرى التي تنفع المؤمنين.
وكم حُرِمَ أناس إدراك فضيلة أول وقت الفجر، بل صلاة الفجر في وقتها بسبب غفلتهم أو استسلامهم للدَّعَة والكَسَل؛ ولذلك كان هذا النداء خيرًا وبرًّا وعملًا مشروعًا مشكورًا. ولا يدفعه ما ذكره صاحب المدخل فإنه في زمان غير زماننا، والناس اليوم في أشد الحاجة إلى الإيقاظ والعِظَة وتكرار التذكير، وفي المنع منه حرمان من خير كثير وثواب جزيل.