فهذه أقوال جماهير الأئمة من الشافعية والحنابلة وغيرهم فيما يُسَنُّ أن تكون عليه خطبة الجمعة.
وينبغي أن يكون ذلك بالنسبة للشعوب الإسلامية العربية وما ماثلها فيما أسلفناه، فتكون بالفصحى إحياءً لهذه السُّنَّة التي دَرَجَ عليها السلف الصالح ولم يُؤْثَر عنهم خلافها، وتمكينًا للغة العربية في الألسنة والأسماع والقلوب والأذواق، ونَشْرًا لألفاظها الفصيحة وأفانينها العجيبة وأساليبها البَدِيعَة، وفي ذلك تَقْرِيب للعامة من لغة القرآن، وتوجيه إلى التحدث بها بَدَلَ اللهجات العامية التي يتخاطب بها أَبْنَاء العروبة في مختلف الأقطار.
وإذا نُظرَ للأمر من حيث الأَثَر والثَّمَرَة فإن العامة وإن أَلِفُوا العامية في مخاطباتهم ومحاوراتهم يفهمون الفصحى جيِّدًا وتَقَعُ في نفوسهم أَحْسَن موقع، ويَوَدُّونَ لو استطاعوا التحدث بها والإبانة عن أغراضهم بألفاظها وأساليبها، ويَسْتَهْجِنُون خطبة الجمعة بالعامية، ويَزْوَرُّونَ عن الخطيب إذا جَنَحَ إليها واتَّبَعَ سبيلها، ولا يجدون في نفوسهم أثرًا لِوَعْظِه ولا لَذَّةً في سَمَاعِ قوله، وكان لديهم بالعامي أشبه منه بالعالم.
أما الشعوب الإسلامية التي لا تَعْرِف العربية أصلًا أو لا تُحْسِن الإبانة بها فمن العبث أن يُلْزَمُوا بسماع الخطبة من خَطِيبِهم باللغة العربية وهم لا يَفْقَهُونَهَا، ومن الخير لهم الذي قَصَدَه الشارع بخطبة الجمعة أن تكون باللغة التي يفهمونها ويُدْرِكُون معانيَها، وإن كان عليهم أن يتعلموا لغة القرآن لِيَقِفُوا عليه، ويَنْهَلُوا منه، ويَسْتَقُوا من مَعِينِه، إذ لا يمكن فهم مراميه والإحاطة بمعانيه إلا بلغته التي نَزَلَ بها، وهو دستور الإسلام، وإليه المرجع في الأحكام.