وذهب"الحنابلة"إلى أن مَن توفرت فيه شروط وُجوب الحج وعجز عنه، فإن كان لمانعٍ مَيْئُوسٍ مِن زواله وجَب أن يَستنيب فيه، متى وجد مَن ينيبه، وبه قال أبو حنيفة والشافعي، وسقط عنه الفرض ولم تجب عليه الإعادة، وإنْ عُوفي بعد، خلافًا للشافعي في الصحيح من مذهبه.
وإن كان لمانعٍ مَرْجُوِّ الزوال ليس له أن يَستنيب عنه؛ فإنْ فعل لم يُجزئه، وإنْ لم يبرأ. وبه قال الشافعي. اهـ."المغني".
وذهب المالكية ـ في المشهور ـ إلى أن العاجز مطلقًا لا يَستنيب عنه مادام غير مستطيع للحج بنفسه ولا يسقط عنه الفرض بحجِّ النائب لو استناب عنه. وأجاز بعض متأخريهم للمريض الذي لا تُرجى صحته أن يَستنيب مَن يحجُّ عنه كما سيأتي عند الكلام على"مذهب المالكية فيما يصل ثوابه إلى الميت من العبادات".
قال النووي في شرح مسلم: ويُؤخذ من حديث الخثعمية جواز الحج عن العاجز بموت أو عضْبٍ وهو الزِّمانة والهرم ونحوهما ـ وهو مذهب الجمهور سواء أكان العجز عن فرضٍ أم نذْر، وسواء أوصى به أم لا، ويُجزئُ عنه.
وقال مالك والليث لا يحج أحدٌ عن أحدٍ إلا عن ميت لم يحج حجة الإسلام وحكى عن النخعي وبعض السلف أنه لا يصحُّ الحج عن ميت ولا غيره، وهي رواية عن مالك وإنْ أوصى به. اهـ.
ولعل وجه هذا القول ما ذكره القرطبي من أن ظاهر حديث الخثعمية مُخالف لظاهر قوله ـ تعالى ـ (وأنْ ليسَ للإنسانِ إلَّا ما سَعَى) . فنُرجح ظاهر القرآن لتواتره.
قال الشوكاني: ولكنه يُقال هو عموم مخصوص بأحاديث الباب، ولا تعارُض بين عامٍّ وخاصٍّ. اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر في الفتح: إن عموم السعي في الآية مخصوصٌ اتِّفاقًا. اهـ.
والحق ما ذهب إليه الجمهور لهذه الأحاديث الصحيحة، وهي صريحة في انتفاع الميت وفراغ ذمته ممَّا شغلها ووُصول ثوابه إليه، والله أعلم.