ومن هذا يُعلم الجواب عن حديث أبي هريرة، ويجاب عنه أيضًا بأنه محمول على الزيارة التي تقترن بها فتننة أو محرَّم كالندب ونحوه، أو بحمله على المكثرات من الزيارة لما تقتضيه الصيغة من المبالغة، ولعل السبب ما يُفضي إليه ذلك من تضييع حق الزوج والتبرج وما ينشأ عنه من الصياح ونحو ذلك، فإذا أمن جميع ذلك فلا بأس من زيارتهن لاحتياجهن إلى تذكُّر الموت كالرجال، وبهذا يُجمع بين أحاديث الباب، وقد أشار إلى ذلك العلامة السراج والإمام العيني من الحنفية، وقال الشُّرُنبُلالي: الأصح ندب الزيارة للنساء والرجال اهـ أي متى خلت من المحظورات الشرعية، فإذا اقترنت بها كُرِهَت ولو من الرجال، ومن هذا يُعلم أنه لم يقل أحد من الأئمة والفقهاء بما قيل في السؤال، فليتق الله قائله. والله أعلم.
زيادة إيضاح لحكم زيارة النساء للقبور
ورد إلينا (سؤال) يتضمن أن هناك من يزعم أن زيارة النساء القبور رِدَّة عن الإسلام، (فأجبناه) في فتوى سابقة بأنه لا قائل بذلك من الأئمة، بل أقصى ما قاله بعضهم إنها حرام، وقال الجمهور إنها جائزة، كما ذكره النووي في المجموع وابن قُدامة في (المغني) والشوكاني في (نيل الأوطار) والعيني في (عمدة القارئ) والقسطلاني في (إرشاد الساري) وأئمة الحنفية إذا لم تقترن بمعصية.
ولا بأس أن نزيد المقام إيضاحًا فنقول: انعقد إجماع المسلمين على أن من السنة زيارة الرجال للقبور بعد أن كانت منهيًّا عنها في صدر الإسلام، فمن أتى بها فقد أتى بالسنة وأحياها، إلا أن لها آدابًا مسنونة يلزم اتباعها والعمل بها والوقوف عند حدودها التي حدَّدها الشارع قولًا وفعلًا، فإذا خرج الزائر عنها فقد خلط عملًا صالحًا وآخر سيئًا.