وذهب آخرون إلى عدم سماع الموتى لظاهر قوله ـ تعالى ـ: (فإنَّكَ لا تُسْمِعُ المَوْتَى) . وقوله: (ومَا أنتَ بِمُسْمِعٍ مَن فِي القُبُورِ) ."والجواب": أن السماع المنفيَّ عنهم هو سماع الانتفاع والقبول لا مُطلق السماع، بدليل المُقابلة في قوله ـ تعالى ـ: (إنْ تُسْمِعُ إلَّا مَن يُؤْمُنُ بِآيَاتِنَا) . أي: سماع انتفاع وقبول، تترتَّب عليه آثاره. وهذا لا يُنافي السماع للمَوتَى في الحياة البرزخية.
قال الآلوسي في تفسيره: والحق أن الموتى يسمعون في الجملة، بأن يَخلق الله في بعض أجزاء الميت قوةً يَسمع بها ـ متى يشاء الله ـ السلام وغيره، أو بأن يكون السماع للرُّوح، ولا يَمتنع أن تسمع بل أن تُحَسَّ، وتُدرِك بعد مُفارقتها للبدن بدون وساطةِ قُوًى فيه: وحيث كان لها على الصحيح تَعَلُّقٌ، لا يعلم كُنْهَهُ ولا كيْفيَّته إلا الله ـ تعالى ـ بالبدن كله أو بعضه بعد الموت، وهو غير التعلُّق بالدنيوي به ـ أجرى الله ـ سبحانه ـ عادته بتمكينها من السمع، وخلْقه لها عند زيارة القبر وعند حمْل البدن إليه وعند الغُسْل. اهـ.
وقال الإمام أبو إسحاق (إبراهيم بن موسى اللخْميّ الغرناطي الشهير بالشاطبي من أئمة المالكية المتوفى في سنة: 790هـ) . في كتابه:"الاعتصام"إنه لا بُعْد ولا نَكير في كوْن الميت يُعذَّب بردِّ الرُّوح إليه عاريةً، ثم تَعْذيبه على وجْه لا يَقْدِرُ البشر على رُؤيته اهـ. وقال: إنه لا يصحُّ تحكيم العادة الدنيوية المُشاهدة من قبل هذا وتحكيمها على الإطلاق في كل شأن غير صحيح لقُصورها. اهـ.
وهذه شئون لا تُحيط بكُنْهِهَا العقول ولكنها في مُتناول القُدرة الإلهية الشاملة (إنَّما أمْرُهُ إذا أرادَ شيئًا أنْ يَقُولَ لهُ كُنْ فيَكُونُ) . فيجب الإيمان بما وَرَدَ فيها عن الصادق المَصدوق ـ صلى الله عليه وسلم.