وحاصله أن الغضب مُتفاوت الدرجات. والذي لا نزاع في عدم وقوع الطلاق معه هو الذي يزول به الإدراك، فلا يقصد صاحبه ما يقول ولا يشعر به، وهذا هو الذي عناه شيخ الإسلام في تفسير الإغلاق، بما سبق ذكره، وهو مَحمل حديث عائشة:"لا طلاقَ في إغلاقٍ"فإذا بقِيَ معه نوع مِن الإدراك ولكن انتفى القصْد لمَا يقول والشعور به، وأعقبه الندم على ما فرَط منه من غير قصد، فهذا هو مجال النظر والاجتهاد، والراجح عدم الوقوع في هذه الحالة، وخالفه شارح الغاية فجزم فيها بالوقوع.
وقد استظهر"ابن عابدين"في ردِّ المحتار أنه لا يلزم في عدم وُقوع طلاق الغضبان أن يكون بحيث لا يعلم ما يقوله ولا يقصده، كما اقتضاه كلام ابن القيم وشيخه، بل يُكتفَى فيه بغَلبة الهذَيان عليه وخلْط جِدِّهِ بهَزْله، فالمناط غلبة الخلَل في أقواله وأفعاله الخارجة عن عادته، وإنْ كان يعلم ما يقوله ويُريده؛ لأن هذه المعرفة والإرادة غير مُعتبرة لعدم صُدور أقواله وأفعاله عن إدراكٍ صحيح، كما لا يُعتبر من الصبيِّ العاقل. اهـ.
فجعل مُجرد نقْص إدراكه بسبب الغضب، الذي نشأ عنه خللُ أقواله وأفعاله الخارجة عن عادته مُقتضيًا لعدم وقوع طلاقه، وإنْ بقِي معه القصْد والعلْم لعدم الاعتداد بهما لكونهما ناشئينِ عن إدراك غير تام.
أمَّا المناط عند ابن القيم وشيخه فهو انعدام القصْد والعلم ووُجودهما، فإن انعدمَا مع زوال العقل بالكليَّة لم يقع الطلاق باتفاق، وإنْ انعدمَا مع عدم زوال العقل بالكلية فهو محلُّ نظر، والراجح عندهما عدم الوقوع، وإن وُجدا وقع الطلاق بلا نزاع.