ويرجع استغلال الأرض بطريق المزارعة إلى عهد الرسالة، فقد ورد أن أهل المدينة كانوا أكثر الناس حقولًا ومزارعَ، وكانوا في عهد الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يستغلون الأرض بطريق المُزارعة، إلا أنهم كانوا يجعلون لربِّ الأرض ما ينبت عل حافَّة الأنهر أو الجداول أو السواقي أو ثمرة قطعة معينة من الأرض، وللعامل الباقي منها، فنهاهم الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن ذلك، وجعل ما يخرج من الأرض شركةً بينهما على النصف أو الثلث أو الربع ونحو ذلك، كما فعل بأرض خيْبر إذ عامل اليهود بعد أن أظهره الله عليهم، على أن يزرعوا له أرضها ولهم نِصف ما تُخرجه من ثمر أو زرع، واستمر اليهود على ذلك إلى صدرٍ من خلافة عمر حتى أجلاهم عنها إلى تيماء وأرْيحاء.
والحكمة في نهْيهم عما كانوا يصنعونه، أن فيه جهالةً وغررًا يُفضيان غالبًا إلى التنازُع والتخاصُم، وأكْل المال بالباطل، إذ يَحتمل ألا ينبت في حافة النهر وغيره، أو في القطعة المعينة شيء من الزرع. فلا يحصل المالك على شيء، ويحتمل ألا ينبت الزرع إلا في هذه المواضع، فلا يحصل العامل على شيء، وفي كلتا الحالتين تجهيل وغرر في العقد،وقطع للشركة في الخارج.
وعن رافع بن خديج فيما رواه مسلم: إن الناس كانوا يُؤاجرون على عهد رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بما على الماذيانات"لفظة مُعربة معناها حافة الأنهر ومسايِل المياه"، وأقبال الجداول"رءوس الأنهر الصغيرة"، وأشياء من الزرع، فيَهلك هذا ويسلم هذا، أو يسلم هذا، ويهلك هذا، فلذلك زجر عنه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأما شيء معلوم مضمون فلا بأس به"أيْ: كالنصف أو الثلث أو الربع ونحوه من الخارج".