فهرس الكتاب

الصفحة 691 من 797

بيَّنا في فَتْوانَا السابقة أنه يجوز استغلال الأرض بطريق المزارعة بجزء معلوم من الخارج منها كالنصف أو الثلث أو الربع، لا بجزء محدد كقنطارين أو أردبين ونحو ذلك، وأن هذا هو الذي عامل به رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يهود خيبر حين ظهر عليهم، فكانوا يزرعون له أرضها ولهم نصف ما تُخرجه من ثمر أو زرع وله النصف الآخر، وأن ذلك رأي جمهور الصحابة والتابعين. والقول المُفتَى به عند الحنفية، والقول المختار عند الشافعية! كما ذكره الإمام النووي ـ رضى الله عنه.

وقد ورد إلينا من أحد الأفاضل بميت غمْر خطاب يتضمن ما جاء في بعض حواشي متأخري الشافعية كالبرماوي والباجوري والبجيرمي من عدم جواز المُخابرة (سُميت المزارعة مُخابرة لاشتقاقها من الخبير وهو الفلاح) . وهي المزارعة ولو بالنصف أو الثلث أو الربع. وما ذكره العلامة الشنقيطي في كتابه:"زاد المسلم"وطلب إفادته عن ذلك. فنفيده مع الشكر له لبحثه وعنايته بأمر دينه، بأن فيما ذكرناه إشارة إلى أن هناك قولًا آخر بعدم جواز المخابرة أصلًا. وهو ما ذهب إليه الإمام أبو حنيفة والشافعي استنادًا إلى إطلاق أحاديث النهي عنها بدون تقييد بكونها على النصف ونحوه، أو بكونه على جزء معلوم كقنطارينِ ـ مثلا ـ وهذا هو الذي ذكر في هذه الحواشي.

ولكن هذا القول غير المفتى به عند الحنفية، وغير المختار عند الشافعية، كما ذكره الإمام النووي، وهو من جملة أئمتهم، وإليه تشير عبارة الباجوري في آخرها، وغير ما ذهب إليه جمهور الأئمة من الصحابة والتابعين.

وقد أجاب الجمهور عن استناد أبي حنيفة والشافعي بأن أحاديث النهي وإن وردت مطلقة محمولة على المزارعة غير الصحيحة. وقد صرح بذلك الحافظ بن حجر في الفتح، والشوكاني في نيل الأوطار، وقالَا بعد أن ذكرَا القول بالنهْي:"وعليه تُحمل الأحاديث المطلقة الورادة في النهي عن المزارعة والمخابرة، كما هو شأن حمل المُطْلق على المُقَيَّدِ". ا هـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت