وما ورد من الأحاديث مطلقًا في النهي عن المزارعة محمول على المزارعة التي اقترنت بها شروط مفسدة لها، فهي في الواقع نهْيٌ عن اشتراطها كما ذكره الحافظ ابن حجر في الفتح، والشوكاني في نيل الأوطار.
وممَّن حمل النهي على ذلك وأجاز المزارعة على النصف أو الثلث أو الربع دون أن يُقارنها شرط مفسد للعقد: الخلفاء الراشدون، وابن عمر، وابن عباس، وابن مسعود، وسعد بن مالك، وحذيفة، وأسامة، وخباب، وعمار بن ياسر، وهو قول ابن المسيب، وطاوس وابن أبي ليلى، وعمر بن عبد العزيز، والأوزاعي، والثوري، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، وابن المنذر، وأحمد بن حنبل، وجمهور الفقهاء، وهو المُفتَى به عند الحنفية والمختار عند الشافعية، استنادًا إلى ما ثبت في الصحيح من معاملة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يهود خيبر.
وعن أبى جعفر قال:"ما بالمدينة أهل بيتِ هجرةٍ إلا يزرعون على الثلث أو الربع".
وقال ابن القيم: في قصة خيبر دليل على جواز المساقاة والمزارعة بجزء من الغلَّة من ثمر أو زرع"أيْ: على الوجه الذي فعله الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيها".
هذا هو حكم الشريعة الغرَّاء في المزارعة الصحيحة والمزارعة الفاسدة التي يتعاقد عليها الناس كثير في بلادنا الآن.
ومن الواجب أن يَدَعُوا الفاسدةَ، ويتَّبِعُوا الهدْي النبوي فيما هو صحيح منها حتى يبارك الله لهم في أرزاقهم ويقيهم كثيرًا من الآفات الماحقة لأموالهم، وليس بعد الحق إلا الضلال.
وقد بيَّنا حكم استغلال الأرض بطريق المزارعة في الفتوى التي أصدرناها بدار الإفتاء في شهر أبريل سنة: 1948 م، والله وليُّ التوفيق.
"إزالة لبْس"