خلقهما الله تعالى بيد قدرته وأوجدهما بكلمته، ولا يتعاظم شيء على قدرته. وأبدع على غير مثال عالم الروح فخلق الأرواح ونفخها في الأجسام وهي من أمره تعالى استأثر بإيجادها وبعثها وتصريفها. ولم يستطع أشد الناس جحودًا للإلهيات أن يَنسُبَ لإنسان خَلْقَ روح وبَعْثَها في جسد وتَرَتُّبَ أثر الحياة عليها وإنما ذلك لله تعالى وَحْدَه.
وقد خلق الله لكل إنسان روحًا تتصل به عند تكوينه وتنفصل عنه إذا انقضى أجله المقدر له وتبقى بعد انفصالها طليقة في عالمها الروحي تَسْبَح حيث تشاء حتى يأمرها الله تعالى يوم يبعث مَن في القبور بالعودة إلى جسدها الذي أنشأه الله للنشأة الأخرى.
ومما لا خفاء فيه أن الأنبياء أحياء في قبورهم حياة بَرْزَخِيَّة خاصة أقوى من حياة الشهداء، وأن ذلك لا يُنَافِي وجود أرواحهم في السماء، إذ أن الأرواح في عَالَمِها لا تَحُدُّها الأبعاد ولا تقيدها القيود، وقد لقي الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أرواح الأنبياء في بيت المقدس ليلة الإسراء وصلى فيه بالأنبياء إمامًا، ولَقِيَ موسى في السماء ليلة المعراج وتَقاوَلاَ فيها بما جاء به الحديث الصحيح، كما لقي غيره من الأنبياء. وثبت أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ يرد السلام على من يسلم عليه وتُعْرَض عليه أعمال أمته.
ولا يمكن أن تنتقل أي روح فضلًا عن أرواح الأنبياء إلى جسم آخر تَحِل فيه وتُصرِّفُه كما يزعمه القائلون بتناسخ الأرواح وهم ممن لا يَمُتُّ إلى الإسلام ولا إلى سائر الديانات السماوية بسبب، وجميعهم خارجون عن الملة مارقون عن الشرائع. فمن يقول منهم ـ كالقادياني ـ بأن روح عيسى حَلَّت فيه بعد موته فهو ضالٌّ مضِلٌّ مفتَرٍ كذاب.