أما عيسى ـ عليه السلام ـ فعقيدة المسلمين أنه لم يُقْتَل ولم يُصْلَب وأنه لم يَمُتْ وأنه رُفع إلى السماء بجسمه وروحه حيًّا دون موت، وأنه لا يزال في السماء حتى يأذن الله بما يأذن به، وأن الله تعالى كف عنه بني إسرائيل حين دَبَّرُوا قتله، ولهم عادات في قتل أنبيائهم والفتك بمن يُخَالِفهم، وبالغ في إحباط كَيْدِهم بإلقاء شَبَهِهِ على ذلك المنافق الذي دَلَّهُم عليه، فكان جزاؤه القتل وجزاء عيسى الإكرام بالرفع، وقال تعالى: (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ) (وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَلْ رَفَعَهُ اللهُ إِلَيْهِ) (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ) أي مستوفيك وقابضك إليَّ وافيًا بجسمك وروحك (وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الذِينَ كَفَرُوا) .
ورفع عيسى إلى السماء حيًّا كرفع نبينا ـ صلى الله عليه وسلم ـ ليلة المعراج بروحه وجسده يقظة لا منامًا إلى السماء كما هو الحق. ولا غرابة في ذلك فإنها معجزات خارقة لا توزن بموازين العادات ولا تقاس بمقاييسها.
والله تعالى قادر عند ذلك على أن يُحدِثَ في الجسم البشري ما يُعِدُّه لهذه الرحلة ويُحوِّلَ ما يحيط به إلى ما يناسبه في هذه الحالة كما حَوَّلَ النار المحرقة بردًا وسلامًا على إبراهيم، وحول جبريل من الصورة الملكية إلى الصورة البشرية في لَمْحِ البصر حين كان يلقى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالوحي بصورة دِحْيَة الكلبي، وحين التقى بإبراهيم عليه السلام في بيته ضيفًا مع الملائكة قُبيل إنزال العذاب بقوم لوط.
وما دام ذلك في نطاق القدرة الإلهية ـ وقد وقع فعلًا وجاء به الخبر الصادق كما جاء بمعجزات الأنبياء وخوارقهم التي لا تحيط بها العقول ـ فأي غرابة في ذلك؟