وفرق بين الردة والحرمة في المعنى والأحكام، فإن الردة خروج عن الإسلام وقد تكون باستحلال الحرام، ومن أحكامها الدنيوية القتل بعد الاستتابة، وحكمها في الآخرة الخلود في النار. وأما فعل الحرام بدون استحلال فهو معصية فقط، وصاحب الكبيرة غير مخلَّد في النار عند أهل السنة والجماعة. وقد ورد عن الشارع لعن غير المسلم بمعنى طرده عن رحمة الله، كما في قوله تعالى: (لُعِنَ الذين كفروا من بني إسرائيلَ على لسانِ داودَ وعيسى بنِ مريمَ ذلك بما عَصَوْا وكانوا يعتدون) وقد أخذ بعض فقهاء الشافعية بظاهر هذا الحديث فقالوا إن زيارة النساء القبورَ حرام أو مكروهة كراهة تحريم، وتعقبه النووي في المجموع بأنه قول شاذ في المذهب. والذي قطع به الجمهور أنها جائزة مع الكراهة التنزيهية. ونُقل عن صاحب البحر وجهان للشافعية، أحدهما الكراهة كما قال الجمهور، والآخر عدم الكراهة، وقال: إنه الأصح عندى إذا أُمِنَ الافتتان اهـ.
(وقد يقال) كيف يقطع الجمهور بالجواز مع ما يفيده ظاهر الحديث من التحريم؟
(فالجواب) أنه قد أخرج البخاري في باب زيارة القبور عن أنس أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مرَّ بامرأة تبكي عند قبر. وفي رواية: فسمع منها ما يكره فقال:"اتقي الله واصبري". وقال القسطلاني: مطابقة الحديث للترجمة تؤخذ من أنه ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يَنهَها عن الزيارة وإنما أمرها بالصبر والتقوى لما رأى من جزعها، فدل على الجواز، واستدل به على جواز زيارة القبور، سواء كان الزائر رجلًا أو امرأة. قال النووي: وبالجواز قطع الجمهور اهـ.