وأخرجه مسلم في صحيحه بهذا اللفظ من رواية عبد الصمد:"وكانت تبكى صبيها"فأفاد الحديث برواياته المتفق عليها بين الشيخين جواز زيارة النساء القبور كالرجال؛ لأن حاجة المرأة إلى العظة والاعتبار والتذكر كحاجة الرجل، وما يقترن بالزيارة مما يُكره يقع من كلٍّ منهما، وكلاهما منهي عنه، فتجوز الزيارة من كلٍّ من الرجال والنساء إذا تجرَّدت مما يُعدُّ شرعًا مكروهًا ومنكَرًا، بل تُندب كما صرَّح به الحنفية.
وروى مسلم عن عائشة في حديث طويل أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أخبرها أن جبريل ـ عليه السلام ـ قال له:"إن ربك يأمركِ أن تأتي أهل البقيع وتستغفري لهم"قالت عائشة: كيف أقول لهم يا رسول الله؟ أى عند الزيارة، قال:"قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين"الحديث. وقال النووي في شرحه: فيه دليل لمن جوَّز للنساء زيارة القبور اهـ
ولمَّا تعارضت هذه الأحاديث الصحيحة مع حديث أبي هريرة وجب دفع التعارض بينها وذلك بوجوه:
(أولها) ما ذهب إليه الجمهور من الجمع بينها، حيث لم يُعلم المتقدِّم والمتأخِّر منها ولا مرجِّح لأحد المتعارضين كما تقرر في الأصول، وذلك بحمْل حديث النهي على حالة اقتران الزيارة بالنياحة والتعديد ونحوه مما لا يجوز، وحمْل أحاديث الجواز على حالة خلوها من ذلك.
ومرجع النهي عن الزيارة في الواقع إلى النهي عن المعصية المقارنة لها، لا إلى نفس الزيارة مثل قول الشارع: لا تطف عريانًا. فإن النهي متَّجه إلى العُري لا إلى الطواف، فهو مأمور به والعُري فيه منهيٌّ عنه والمطلوب إيقاعه مع الستر، ويشير إلى ذلك حديث المرأة السابق ذكره، حيث لم ينهها عن الزيارة ونهاها عن قول ما يُكره.