ثانيًا: بما قدَّمناه عن الكمال ابن الهمام، في"فتح القدير"من أن هذه الآية يجب تقييدها بما لم يَهَبْهُ العامل للميت. فقد ثبت في الصحيحينِ أن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ضحَّى بكبشينِ أملحينِ أحدهما عن نفسه والآخر عن أُمته وهو حديث مشهور؛ فيَجوز تقييد الآية به بما لم يجعله صاحبه لغيره. وثبت في السُّنة متواترًا أن مَن جعل شيئًا من الصالحات لغيره كصلاة وصيام وتلاوة وصدقة وحج نفعه الله به، وثبت الأمر بالدعاء للوالدينِ في آية (وقُلْ رَبِّ ارْحمْهُمَا كمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا) واستغفار الملائكة للمؤمنين في آية (والملائكةُ يُسبحونَ بحَمْدِ رَبِّهِمْ ويَستَغْفرُونَ لِمَنْ في الأرضِ) وذلك قطعيٌّ في حصول الانتفاع بعلْم الغير فقطعنا بانتفاء إرادة ظاهر الآية، وبتقييدها بما لم يهبْه العامل. اهـ. ملخصًا.
ثالثا: كما في الآلوسى وغيره أن انتفاع الميت بسعي غيره له مبنيٌّ على إيمانه وصلاحه، وهما مِن عمله وسعْيه خاصة، فجعل عمل الغير نفس سعْي الميت وعمله بهذا الاعتبار. وقد دلَّ على بنائه على ذلك ما أخرجه أحمد عن عبد الله بن عمرو بن العاص أن العاص بن وائل نذَر في الجاهلية أن ينحر مائة بدَنة، وأن هشام بن العاص نحَر حصَّته خمسين، وأن عمرًا سأل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن ذلك فقال:"أمَّا أبوك فلو أقرَّ بالتوحيد فصُمْتَ وتَصَدَّقْتَ عنه فنفعه ذلك". فقد أخبره الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأن موت أبيه على الكُفر مانع من وصول الثواب إليه، وأنه لو أقرَّ بالتوحيد لأجزأ ذلك عنه ولَحِقه ثوابُه.
وحاصل المعنى أنه ليس للإنسان إلا ما سعى فيه، وهو ما باشره مِن عمل نفسه وما تسبَّب فيه بإيمانه مِن عمل غيره لأجله. وذلك يشمل كل قُربة يعملها الغيرُ لأجل الميت المؤمن، ويهب ثوابها له كما هو ظاهر.