وقد دلَّ الحديث السابق برواية النسائي وأبى داود، وبلفظ البخاري ومسلم:"إذا حلفتَ على يمينٍ، فرأيتَ غيرها خيرًا منها، فأْتِ الذي هو خيرٌ، وكفِّر عن يمينكَ". وبلفظ:"فَكَفِّرْ عن يَمينكَ وأْتِ الذي هو خيرٌ"."متفق عليه"على أن الحنث في اليمين أفضل من التمادي، إذا كان في الحنث مصلحةٌ، وذلك باختلاف المحلوف عليه، فإنْ حلف على فعلٍ واجب، أو ترك محرم، فيَمينه طاعة والتمادي واجب والحنث معصية.
وإنْ حلف على ترْك واجب، أو فعل حرام، فيَمينه مَعصية، والتمادي حرام، والحنْث واجب.
وإنْ حلف على فعل نفْلٍ، فيَمينه طاعة، والتمادي مُستحَبٌّ، والحنث مكروهٌ.
وإن حلف على ترْك مندوبٍ فالتمادي مكروه والحنث مستحبٌّ.
وإن حلف على مُباح، فإن كان يَتجاذبه الفعل والترْك فذلك يختلف باختلاف الأحوال على ما قاله ابن الصبَّاغ من الشافعية.
وإن كان مستوى الطرفين، كالحلف على ألَّا يأكل هذا الخبز، أو لا يلبس هذا الثوب فالتمادي أولَى كما ذكره الشوكانى وهو مذهب الحنفية كما في:"فتح القدير"، والحنث والتمادي مباحان عند الحنابلة كما في المغني. ...
إذا علمتَ هذا فالمحلوف عليه في السؤال الأول هو عدم شراء اللحْم من قصَّاب معين، وهو والشراء منه أمرانِ مباحانِ لا مُرجِّح لحدهما على الآخر من حيث ذاتهما، فإذا وُجد هناك مُرجِّح من أمر خارج كما إذا كان هذا القصَّاب قريب الحالف أو جاره مثلًا، فالحنث أفضل رعايةً لحقِّ القرابة والجوار، وإذا كان هناك قصاب آخر أقرب إلى الحالف فالتمادي أفضل، وإذا لم يكن هناك أي مرجح فهو مُخَيَّرٌ بين التمادي والحنْث، والظاهر عندي ترجيح الحنْث إزالةً لمَا تتركه القطيعة في النفوس.